من المجموعة القصصية اللعبة
عين الجمل
شحت
السماء وما عاد
الماء يسري في عروق الأرض، فتحولت
إلي
رماد وكان عام
العطش، كانت
الإبل
حين تنساق مختالة
بين
الدروب تسّيرها
فحولته فيقودها
متى
شاء وحين شاء أو
يحرسها
مبعثرة فلا يجرؤ
سواه أن
يوقع
بناقة شردت أو ينال
من
صغير تخلف عن الركب
حين يرغي
ويزبد
تستجيب الإناث
طواعية
وينأى الذكور
مرغمين وعلى
مشارف
المنتجع يلقي وجه
أبي
فتبرق عيناه بحديث
رجل لرجل
يلتقي
الود بالود في
علاقة
لا تتعدى مقام
الرفعة
والاحترام
لكن السماء شحت
وبلغ
منه الجوع والظمأ
وأعياه
الهزال
وغزاه الجرب واتسع
طوق
تميمة الحسد ، وفي
ذلك الفجر حين
جرجرت
الإبل جثثها
إلي
المجهول تخلف عن
الركب .. وقف
يتأملها
وهي تختفي
وراء
الروابي الباهتة ،
ودّعها بدموع
ساخنة
واختار طريقاً
قاطعاً
المسافة من الرجمة
إلي
بوعطني
وهناك كان على
مشارف
زرع وماء ، وتخطى
الموانع
حتى
بلغ جدول الماء ،
لكنه
ما
أن ركع حتى عاجله
أحدهم بضربة
أدمت
الجسد الهزيل
فأرغى
بصوت جريح ونظر إلي
الرجل
بعينين
تبرقان بالغضب
حتى
تحولت إلي بركتين
من دم ، حاول
أن
يستجمع قواه ولكن
الضربات
توالت وهو العاجز
الواهن
فوجد
نفسه أمام لسعات
السياط
خارج المزرعة وقد
نزف كل
جسده
وامتزجت الدموع
بالدماء
فجرجر بقاياه جهة
الشمال
وهناك
قابل بيوتاً
وأحصنة
وحميراً تجر
العربات تقطع
الطريق
ولا تنظر إلي أسفل
أقدامها ،
ورأى أغناماً
وإبلاً تحتشد
في
معتقل كبير ..
تذكر
أنثاه فأرغى بوجيب
داخلي
مقموع
صادره الحزن والجوع
والمرض
وبادلته الخيول
والنوق نظرة
الأسى
فاختار أن يدفن
جسده
في سبخة ( سيدي
عبيد ) .
أناخ
في المستنقع المالح
.. تقلب
ذات
اليمين وذات
اليسار
حتى اختلط الماء
بالدماء
والتراب
والدموع .. تحلق
حوله
الأطفال وقد شمروا
ثيابهم
يحاصرونه
ويعتلونه
وينخزونه
بأسياخ من حديد
وعصى ..
فتحولت
نظراته الحادة
إلي
نظرة كسيرة مستجدية
.. وبين
لغط
الصغار وأنينه
المكتوم
ووقع أرجل الأحصنة
التي
تجر
العربات نهض صوت
يطردهم.....
كان رجلا مسنا
رقيقا
ما
أن نظر إليه حتى
ألتقت
العيون في بكاء
مكتوم.. ربت
على
العنق المطأطئ
ومسح
عن العينين الوحل
والدموع
وساعده
على النهوض وربط
العنق
في مؤخرة العربة
والحصان
يرقب
المشهد في تساؤل
واندهاش
قبل أن ينطلق به
إلي مصير
جديد.
انطلق
الركب يقوده حصان
ويتوسطه
رجل
وفي مؤخرته جمل
..
على الطريق رأى
مزارع ومياهاً
وحيوانات
.. بعضها
ينتشر
على الطريق وبعضها
داخل
أسيجة
سار منساقاً حتى
وجد
نفسه
ب((القوارشة))
تسقيه وتطعمه
يد
الحاج سعيد وهناك
استعاد
وبره وقوته وصوته ،
عاش
سنوات
أحب فيها الحاج
سعيد
الذي رفض أن يبيعه
رغم كل
المغريات
، لم يعد ينقصه
شيء
ولا ينغّص حياته
إلا الحنين
إلي
تلك الروابي التي
شهدت
سنين فحولته وعزته
ومجده
وشعوره
بأنه تخلى عن " أبي
"
وتوقه
إلي فضاءات رحبة من
الحرية
والانطلاق
، لكن قبل كل
ذلك
شعوره بما لحقه من
مهانة
وإذلال
.. ممزّق هو الآن
بين
ثلاثة : حبه لرجل
رعاه صغيراً
ورجل
رعاه ضعيفاً وآخر
أذله
وأهانه .
وفي
ذلك اليوم تسلل
سافكاً دمعة
وداع
في لحظة لم
يشهدها
سوى الحصان الذي
صهل ضارباً
الأرض
برجله كأنه
أدرك
لحظة الفراق ، تسلل
شرقاً في
اتجاه
الرجمة لكنه لم
يشأ
العودة إلي أنثاه
وقد تجرع
الهزيمة
والإذلال ففي
حياته
نقطة لابد من
عبورها ليعود
الفحل
المهاب .. هناك
في
بوعطني دك أسوار
المزرعة مدمراً
كل
شيء مقلباًَ بين
الأشجار
وما أن طالعه وجه
الرجل
والتقت
العين بالعين حتى
استعيدت
اللحظة حمراء قانية
، جذبه
من
ثوبه فأوقعه أرضاً
وسحقه
تحت أقدامه حتى
اختلط الدم
بالتراب
باللحم بالعظم
بالماء
.. ثم أطلق أرجله
في اتجاه
الرجمة
وهناك طالعه
قفر
المكان وإطلال
الديار وعظام
إبل
نفقت وصمت فاجع
فأعلتي
الربوة مقلباً وجهه
ذات
اليمين
وذات الشمال ثم
اتجه
صوب القوارشة وفي
الطريق رأي
المذابح
وهناك كان أبي
يقود
عربة يجرها حمار ..
توقف
الجمل
حين رآه خطوة وراء
أبي
وأخرى في إتجاه
القوارشة وأخرى
إلي
الخلف في اتجاه
مكان
الفحولة .