سالم العبار:أطمح لنص قصصي يتماهى والشعر
سالم العبار:
- أطمح لنص قصصي يتماهى والشعر.
- النص البرقي المفعم بالشعرية هو ما أطمح إليه .
- لم يمارس النقد الليبي سلطته عليّ لأنه غير موجود !!.
- لابد من نسف الذائقة السماعية التي أسهم النص التقليدي في ترسيخها .
- نحن أمة تنقصها الصراحة .. وهي من حكامها إلى شعوبها لا تعترف بأخطائها
طرابلس - من أحمد فرحات- لمجلة الكفاح العربي
( ينبغي تقويض الحساسية السائدة للقاريء العربي .. لابد من نسف الذائقة السماعية التي أسهم النص الأدبي التقليدي في ترسيخها .. أضم صوتي إلى صوت أبي تمام في ضرورة إقلاق القاريء الكسلان وإزعاجه ) ، نداءات صميمية يطلقها القاص الليبي الشاب سالم العبار ، وذلك من موقع المتمرد الواعي نقديا للمشروع الأدبي الجديد الذي يحضن وبجدارة مستبدلات الحياة الغزيرة والمتسارعة يوميا .
إن تمزيق الشكل الكلاسيكي للرواية أو القصة لديه بمعنى في النتيجة تعمير نص مقابل ، عنيف التشكل والنبض والحركية .. نص يضعك بواقعيته في تأمل تجريدي متصل .. نص يرمي نفسه في الشعرية كتجل تعبيري راق ومكثف ، إذ الهدف في النتيجة بلورة نص برقي كفيل بهز القاريء بكهرباء خصوصية لا تمل جديدها .
سالم العبار شخصية تميل إلى الصمت الواثق ، والهدوء المستطلع لنفسه في مرايا الآخرين والأشياء من حوله .
تخاله أبدا يستحوذ على أسرار تنتج نفسها ، ومن خلال المشهد المبعثر والمتلاحق الفصول يرتب الأديب الشاب أفكاره يجمعها لتشكل موقفا لا يستهان به .
التقيناه مؤخراً في طرابلس الجماهيرية وكان هذا الحوار الذي بدأناه بسؤال حول مناخه القصصي .. وهل يحكم هو على شخصياته القصصية وحواراتها ، أم أنه مجرد شاهد يعاين تصرفاتها وانعكاساتها فأجاب :
شخصية التعسف :
سؤال ذكي يتوغل في بنية النص بعمق : كما تعلم ومنذ أن وضعت الشروط المسطرية الموروثة التي طالت القصيدة والقصة على حد سواء ، وكان ذلك أول مظهر من مظاهر تقسيم النص إلى ألوان وأجناس ، منذ ذلك التعتيم الذي أتسم به العقل العربي بعد بداية آفاق الصحوة التي واكبتها تأطيرات وتعتيمات لكل الأشياء شمل بالطبع التأطيرات الأدبية كان للإيديولوجيا مهما كانت درجة حضورها في الواقع العربي أثرا في ميكانيكية النص والترصد المسبق بدافع الاصرار للتدخل في تحديد شخصيات القصة بعدما حددت بهذا الاسم ، ففقد النص عفويته وحددت معرفته سلفا ، فوجه النص توجيها منبريا لخدمة السياسة وليس العكس فاستمرت النصوص بشخصيات ومن طبقة اجتماعية محددة تتجه بالحدث إلى نهاية محتومة يمكن معرفتها بمجرد معرفة الاتجاه الإيدولوجي للقاص .
هذا بشكل أعم وبشكل أكثر تفصيلا أقول : إن ذلك الإختيار المبرمج للشخصيات القصصية إضافة إلى أنه علامة من علامات النص المقموع في أسئلته ، هو أيضا علامة من علامات انهيار معرفية الشكل الفني للنص ، فالشخصيات هنا ترسم بدقة في ملامحها الخارجية ، وتسخر كأداة توصيل من أدوات المعمارية الفنية بكاملها ، أي أنها سحبت إلى حلبة النص لتقول ما أملي عليها ، ولتترك صورتها الخارجية في ذهن القاريء بعدما تمت موضعة الحدث وتحديد السبيل الذي يسلكه من البداية إلى النهاية وصولا إلى الفكرة الجاهزة على نحو تركيبي مسبق في ذهن القاص الذي يرتكب نوعا من سلفنة الكلام من الحاضر ويعزل الفكرة عن كل سؤال جديد .
إن الشخصيات وفق هذا التعسف آلة مسخرة ليس لها أن تناقش أو تثير سؤالا جديدا لم يطرحه القاص في نص سابق ، أنا أريد أن أنسف هذه القاعدة لأعيش النص كحالة تشبه القصيدة ، أشطب مسطرية الحدث أو أخرج عنه بمنحنيات وتعرجات ، ولا يتم ذلك إلا بتحرير الشخصيات ، فأذيبها في ذاتي ، ومن ثم تختفي ملامحها لتصبح هي ملامحي ، فلا احتاج إلى حشد آخر من الشخصيات لا تحتاجه القصة حتى وفق تعريفها المدرسي ، وفي ملامحي الجديدة أخلق أسئلة مع الأشياء فأكتشف فضاء جديدا تسهم فيه معي الصورة واللون والصوت والحركة وهي بدائل جديدة عن الشخصيات وتقوم بالمهمة ذاتها ، وحين يحدث حلولي في شخصياتي اكتشفها من الداخل وأكتشف أسئلتها الجديدة التي لم أرها على السطح وأحيانا بل كثيرا ما تتمرد وتطرح سلوكا ينافي السائد في السياسة والدين والجنس ما يترتب عليه ذلك الاستفزاز الذي هو البذرة الأولى للإختلاف بل والاحتفال بالتمرد والعصيان وهكذا أعيد عليك السؤال من يحكم الآخر ، أأحكم شخصياتي أم هي تحكمني ؟!!.
البحث عن الجذور
- ما مفهومك للبنية القصصية ؟
مفهومي للبنية القصصية تسرب جزء منه في إجابة السؤال الأول ، وهو أنني انتشل النص القصصي من الحدث المستقيم ذي البداية أو التمهيد والوسط والعقدة والحل ، أولا لأن العصر الذي أعيشه يختلف مع هذا التحديد فالواقع الذي أراه لا أحفل به جاهزا ، أريد أن أبحث عن جذوره أو بكلمة أدق عن بذوره ولابد في سبيل ذلك من أن أعيد للأشياء دهشتها الأولى وأسئلتها الأولى ، ولذلك أرفض أي تحديد سابق ، لأن الراهن ثبت فساده ولابد من طرح الأسئلة من جديد لتتحدد العلاقة وفق منظور صحيح ، إن العلوم الإنسانية أثبتت أن أفكارنا لا تظهر مرتبة وفق الترتيب الذي يطرحه الحدث في النص القصصي التقليدي وإن اللحظة الزمنية المضغوطة التي خصصت مساحة للقصة القصيرة هي لحظة مقتطفة تعسفا ، فلهذه اللحظة علاقة بلحظة سابقة وأخرى لاحقة تقع بعد نهاية القصة .
ومن هنا فإنني أبدأ القصة ببياض يشرع نوافذه على اللحظة الغائبة ، ولو كان ذلك باستحضار جزء من صورة أو حوار يقع الجزء الأكبر منه في متن النص ، ولا أغلق النهاية عند نقطة اقطع فيها الزمن بل أترك مساحة للسؤال ولأقحم القاريء لأن يكمل النص فأنقله من حالة الكسل التي صاحبته زمنا طويلا .
ولا أفعل هذا على سبيل التشهى ، إنما لأنني لا أملك حلا أقمع به القاريء عن أن يطرح حلا آخر .
هذه الرؤية تضاف إلى رأيي في أهمية الشخصيات للنص القصصي والذي سبق وإن أوضحته بصدد إجابتي عن السؤال الأول ، وأضيف إليه الحوار واللغة وبهما أفجر لحظة التمهيد بل وانسفها خصوصا وأنني قد نسفت مساحة النص زمانا ومكانا .
فأبدأ القصة بالتفجير أو أبدأ بالعقدة لأفتتها بعد ذلك إلى عواملها الأولية ، محاولا من ذلك أن أجد للفظة سؤال جديد يخرجها عن معرفيتها السلفية ، واستحضر من مساحة النص بيئة تخصب البنية الفنية حتى وإن لم تكن أشياؤنا حاضرة في اللحظة المعبر عنها .
وهنا عين حديثي المكان والزمان من النص لكنه ليس المكان ذو الارتباط بأرضية النص وأصالته .
إنه هنا أكثر تقزيما وأقصد به ( مسرح الحدث لا الحالة ) إذ أن القصة عندي تتدرج للوصول إلى النص المفتوح من خلال اعتمادي على الحالة التي تشبه حالة القصيدة الغنائية .
ذائقة النص الحديث
- أحد الكتاب العرب يقول أنه يميل إلى إزعاج القاريء وإقلاقه من الصميم ، لأن من جملة ما ورثناه الكسل وضعف الحس بقيمة الزمن ، ما هو تعليقك ؟
كل أسئلتك في الصميم ، وسؤالك هذا محور اهتمام المحدثين بالقصيدة الحديثة ، أو بعبارة أخرى بالنص الأدبي الحديث والذي لا يمكن له أن يكتسب هذه الصفة إلا إذا قوض الحساسية السائدة لدى القاريء العربي اليوم ، لابد من تجذير لذائقة تنسف الذائقة السماعية التي أسهم النص التقليدي في ترسيخها من خلال دخوله مناهج التعليم وسيطرته على القنوات الثقافية ، فخلفت قارئا لا يستجيب إلا للجاهز ، أقول هنا رغم يقيني بأن من يحاول إقلاق التصور السائد لدى القاريء سيتعرض لهجمة عنيفة تماما كتلك التي تعرض لها (( أبو تمام )) لكن الأديب الحقيقي هو الذي يراهن دائما على المستقبل ، ويكفي (( أبا تمام )) تكريما إن رأيه حديث الساعة الآن ، ولذلك أضم صوتي إلى صوت هذا الشاعر واسهم معه في إقلاق وإزعاج القاريء الكسول ، وهذا كلام جميل من أجل البناء ولا أظن أن القاريء الذي يكتب بوادر وعي جمالي يديننا عليه .
- يقال أن القصة العربية القصيرة لم تتخلص من المؤثرات الأجنبية ، وإنها مازالت تواجه قضية البحث عن هويتها الذاتية ، ما تعليقك ؟
أولا دعني أصارحك بأننا أمة تنقصها الصراحة مع نفسها ، وهي من حكامها إلى شعوبها لا تعترف بأخطائها ، وهذا وضعنا في مأزق كبير ، إن القصة القصيرة جنس أدبي غربي رغم وجود جذوره في التراث العربي ، والأمثلة على ذلك كثيرة تم التعرض لها في كتابات كثيرة ، لكن القصة كبناء فني متطور ظهرت في غير بلادنا على أيدي ( أدغار آلان بو ) و ( تشيكوف ) و ( موباسان ) وكان طبيعيا أن يستفيد القصاصون العرب من انجازات هؤلاء ، لكن ليس من الطبيعي ان تظل القصة العربية فاقدة لأصالتها ومعاصرتها إن لدينا رصيدا هائلا من المخيلة تحفظها لنا الأساطير والخرافات ذات الغرائبية المدهشة تشكل معينا نقتحم به الأدب العالمي دون أن نفقد هويتنا ، وعلينا أن نمهد السبيل أمام أصوات شابة بدأت تسعى في هذا الاتجاه ، وحتى يتحقق ذلك يظل السؤال قائما .
التطابق مع القصيدة
يبدو أن القصة القصيرة قاربت أن تتطابق والقصيدة ، كيف الأمر بالنسبة إليه ؟
إن هذا السؤال توزعت الإجابة عنه في متن الإجابات السابقة وأضيف إن طموح القصة للتطابق مع القصيدة طموح النص الجديد لتذويب الفوارق بين الأجناس الأدبية وهذا النهج يجعل من النص القصصي في حالة تركز قصوى وما كان له أن يبلغ ذلك لولا الاعتماد على لغة وفضاء النص الشعري الحديث .
فبهذه اللغة أمكن شطب عشرات السطور الوصفية الزائدة والتي تغرق في تهميشات جانبية ، فلفظة واحدة ذات إيحاء عميق تختصر مساحة كبيرة من المفردات ، وبهذا الطموح للتطابق يتحقق النص البرقي ، من يضمن للقصة حضورا كحضور الشعر ، وهذا ما أطمح إليه في كتابة القصة القصيرة .
- هل تعتقد أننا نستطيع تغيير العالم بمجرد أن نجلس ونكتب ياسالم ؟
الكتابة والتغيير عبارة تقود إلى الحديث عن الإلتزام في الأدب ، وهو المفهوم الذي تتنازعه وجهات نظر عديدة ، لكن المفاهيم التي أخذت فرصتها الزمنية ومن ثم أمكن الحكم عليها تبين أنها قد فقدت القدرة على أن تقدم نتائج إيجابية هي ثمرة هدفها ، إن الإلتزام صار القول به أمرا محسوما ، لكن يجب أن يطرحه النص في هدوء ومن خلال تفجير أسئلة جديدة تتيح إحداث تبدل جذري نعيد من خلاله النظر في كل أشيائنا ونقتحم البوابات الممنوعة والتي فرض لها المجتمع عقوبات معنوية ، وهكذا يحدد كل فرد وجهته ويقول من هو ؟
إن أداة التغيير منذ الأزل ومنذ الخليقة هي الكلمة ، ولكن علينا ألا نطلب من الكلمة تغييرا فوريا لأنها ليست عصا سحرية ، على الأديب أن يراهن دائما على المستقبل والتاريخ الإنساني حافل بالكثيرين الذين وارى التراب أجسادهم ، وبقيت كلماتهم ومواقفهم نبراسا للجيل الحاضر ، لماذا ؟ لأنهم فعلوا ، والكلمة فعل وحين نجلس لنكتب إنما نفعل .
- ككاتب من المغرب العربي .. كيف تنظر إلى كتاب المشرق ؟
أنا لا أعاني عقدة من هذا النوع فللمشرق العربي دور سابق على دور المغرب العربي ، وإن كنت أجد جرأة يتميز بها كتّاب المغرب العربي ، لكن أحدا لا ينكر الدور الرائد للبنان في الثقافة العربية ، وفي اختصار شديد أقول : إن الأدب الجيد لا تحد الجغرافيا من انتشاره .
- هل يمارس عليك النقد في الجماهيرية سلطة ما ؟
أقول لا .... أتعرف لماذا ؟ لأنه غير موجود !! وإذا لم تفرز المرحلة نقادها ، فعلي أن أستعد لهجوم النقد الإنشائي المحنط .