من المجموعة القصصية اللعبة
عائشة
والجدار
الجدار الطيني القديم
بشكله المتداعي كان يعلونا بكثير ، كم وقف سداً عنيداً أمامنا
يمد لسانه .. يدعونا إلى اللعب أو يقصره فينهي جلساتنا ويبطل
لهونا ، هكذا حين يمد ظله الكبير أو حين يحجبه في تجاويف
الأحجار الترابية المتآكلة أو حين يبتلع الكرة لينهي لعبة
ويجبرنا على لعبة أخرى ، ( عائشة ) المرأة الجميلة صاحبة
الجدار كلت من رد الأشياء التي نقذفها وراء الجدار فتتساقط
بجوارها وحيناً تصيبها وحيناً لاتفسد أشياؤنا غناءها الجميل
وحيناً تطل علينا من وراء الجدار وتقذف بأشيائنا التافهة ،
وحين كلت صارت تحجب الكرة عنا وتطردنا .
لقد كنا نفسد عليها
وحدتها وننتهك الصمت الذي تحبه بأن صرنا نحفظ غناءها ونردده
ومن دون أن نعرف مغزاه ، لكننا حين رأينا أمهاتنا تعض على
الشفاه حين تسمع مانردده من أغان اكتشفنا في ( عائشة ) مكمن
خطيئة من دون أن نعرف للخطيئة سبباً .
ومنذ ذلك اليوم صارت (
عائشة ) لعبتنا ، صرنا نتسلق الجدار ونطل برؤوسنا الصغيرة فنرى
ساقيها ممدتين . فيستبد بها الغضب وتقف تطردنا فنهرب بعيداً
لنتسلل بعد لحظات إلى ظل الجدار ونختار لعبة صامتة مكتفين
بغناء ( عائشة ) الجميل ، كان جميلاً على الرغم ما ألصق به من
خطيئة ولايخلو من نبرة حزن .
ظل الجدار يحجبنا
ويحجب ألعابنا عنا ونحاول في كل مرة تكبد مشقة تسلقه لكي
تمتليء عيوننا بشعرها الغزير وأنوفنا بعطرها النفاد وفي بعض
الأحيان تمد قوامها ....... فيعلو الجدار فتحبط محاولتنا
واليوم حين عرفت سر الغناء وقفت بجوار الجدار ووضعت راحة كفي
على أعلى حجرة فيه ونظرت بارتياح إلى ماوراء الجدار فرأيت
بقايا إمرأة لم تبدل جلستها منذ ثلاثين عاماً وكان الزمان قد
أطفأ نضارتها وسرق صوتها الجميل ، إنها تستسلم لنظراتي فأرى
ساقين جافتين .... ولم تفعل شيئاً .......... ، صارت هدفاً
مكشوفاً تنظر إلي نظرة العاجز اليائس ، إنها إمرأة لايمكنها
الوقوف منتصبة ، لقد صار الجدار يعلوها ، صغرت ( عائشة ) وكبر
الجدار ، كانت أكبر من الجدار ومنا ، واليوم نحن أكبر من
الجدار ومنها .. الفرصة مهيأة لأن يلعب الأطفال ولكن من يضمن
لنا نحن الكبار ألا نعود صغاراً ؟!