البذور
ما كان لهذا
الموقف أن يتكرر وما كنت لأتخيل أنني سأقف أمام القاضي ليسألني
:
- لماذا قتلته
.. ؟ .
* لأن جده قتل
جدي ..
- متى كان ذلك
..؟ .
* منذ خمسين
عاماً .
- كيف عرفت
أنه القاتل ؟
* إنها الريح
... ريح القبلي ..!!!
ما كان لهذا
الموقف أن يتكرر لولا رياح القبلي التي حملت بذور ثمرة
(الخرشوف) المجنحة أمام بيتنا المنزوي في آخر الزقاق فتتطاير
حولي كالفراشات أجمعها وأحشرها في الزاوية كتاكيت بيض جميلة ،
لا أعرف لماذا ضمتني أمي في تلك اللحظة وابتلعت حنجرتها غصّة
خالطت صوتها حين قالت :
- ( لو كان
بوك هنا يضربك ) .
فتر حماسي
للعب وكدت أتوقف عنه تماماً لو لم أتذكر أن أبي مازال هناك في
(غوط السلطان)
.
جلست أمي
مطرقة تحك مفرق شعرها بطريقة لا تفعلها إلا إذا شغلها التفكير
في أمر ما ، كانت غائبة عني تماماً ثم أنني سمعتها تدندن
بأهزوجة لم أفهم منها شيئاً سوى أن اسمي يتردد فيها بموال حزين
، تذكرت أنني عشت هذا الموقف ذات يوم في مثل هذا الطقس وفي
حضرة هذه البذور ورددت أمي حينها ذات النغم الحزين .
جلست
بمحاذاتها فاغراً فاي ، أتفرس ملامح وجهها المتلبد ، رايتها
تشمر عن ذراعها المزدان بالوشم ثم بسطت كفها وبدت وكأنها تقيس
بكفها الأيسر المسافة من باطن المرفق حتى الكف من اليد اليسرى
ورأيت وجهها يومض بابتسامة ، وحين انتبهت إلى فضولي اتسعت
ابتسامتها وقالت :
- ( بوك قريب
يجي ) .
أحسست تبدلاً
حقيقياً طرأ عليها ، أنفرجت اساريرها وتحسست شعرها وفردت
ضفائرها وتبدلت إيقاعات أهازيجها وكادت تطير فرحاً حين رأت أبي
ينزل من السيارة في أول الزقاق حاملاً على كتفه كيساً كبيراً ،
هرعت لاستقباله ووقفت أمي تنتظرنا .
وضع أبي الكيس
في السقيفة ، لم يكن الكيس ممتلئاً ، أدخل أبي يده وأخرج منه
حفنة شعير ، تأملتها أمي وابتسمت وهي تهز رأسها علامة الإعجاب
، ودخلا في حوار طويل .
خرجت أطارد ما
تبقى من البذور ، ثم رأيت أبي يخرج إلى السوق فرافقته وحين
عدنا سمعت صوتاً يأتي من بيتنا ، صوت أسمعه لأول مرة في حياتي
كان ممزوجاً بأهازيج أمي الحزينة ، أستوقف الصوت أبي فوقف امام
الباب للحظات جامداً في مكانه ثم طأطـأ راسه وانحدرت من عينيه
الدموع ، كانت أهازيج امي جد حزينة ، فيها ذكر للخيل والإبل
والدم والثأر وبين كل مقطع وآخر يتردد اسمي ، فهمت أن غناءها
لا تقصد به تدليلي انقبض قلبي وكدت ابكي لكني رأيت أبي يتمالك
نفسه فيمسح دموعه ويزرع في وجهي ابتسامة ثم يدفعني امامه إلى
داخل البيت ، كانت أمي قد ارتدت ثياباً نظيفة وبدت عارية الرأس
وشعرها الطويل يتكدس وراءها وتحرك ( الرحى ) في سرعة عجيبة
وتمسح من عينيها الدموع فتحيل الطحين إلى عجين يناغم صوتها صوت
الرحى ، ولم تنتبه إلى أبي الذي كان يقف جامداً كالتمثال وأنا
وراءه أشبك يدي وراء ظهري وأتأمل الرحى التي رأيتها كثيراً
ملقاة فوق سطح البيت بإهمال لم أقو على احتمال تعاسة اللحظة
فخرجت إلى الزقاق ، ولم أعد حتى توقف صوت أمي ، بعد ذلك اليوم
لم أعد أرى الرحى إلا في مكانها على السطح ، فأقف أمامها
أتأملها وأتذكر علاقتها باسمي ، وحين أحاول أن أسأل أمي تشيح
بوجهها عني وهي تحاول الابتسام ولكن تظل أهازيجها الحزينة
تتكرر كلما حملت رياح ( القبلي ) بذور ( الخرشوف ) إلى بيتنا
... رحلت أمي ورحل أبي ، وظلت تلك البذور تزور بيتنا القديم .
ها أنا أذرع
أرصفة المدينة ألحق بولدي وهو يطارد تلك البذور وكلما أقتربت
منها تبّدل أجنحتها البيض بأخرى حمر فيعلو في مسمعي صوت (
الرحى ) ممزوجاً بأهازيج أمي ، وأبحث عن علاقتي بهذا الموقف
فأجدني داخل دائرة الدم وأن علّي أن أقتل شخصاً ما ، وأمثل
امام القاضي يستجوبني فلا أجد لأسئلته جواباً سوى ( القبلي )
وصوت ( الرحى ) وأهازيج أمي !!! .