هكذا أسرت المدينة أبي
من يراه وهو يسير مطأطيء الرأس ويده في جيب معطفه الذي أستعار من الطين لونه يدرك علاقته بالأرض ، إنه يطالعها في كل حين ، فمن تشققاتها يتسرب إلى أعماقها وفي أعماقها أحاديث لا يدرك كنهها سواه ... حديث قطرة الماء والبذرة حين تجود وهناك في أعماق الأرض تنقش مخيلته نقشا بديعا .
ما اختزنته ذاكرته من مشهد صادره بخل السماء حين عقمت على أن تستحلب غيمة واحدة حتى لمجرد الرأفة بقلب ناقة حيرها جفاف ضرعها في مواجهة جوع الوليد .
يطالع مراسم حداد على نحو مريع حيث نفقت الإبل والشياه وفقدت الخيل رمزها وصارت مجرد ظلال هزيلة جرت ركبها إلى حيث حتفها في موكب ترى فيه عزيز النفس يموت ذليلا بين التخوم وفي سمعه تنداح الزغاريد بعيداً أمام موكب موال حزين وتطل الأرض بوجه قاحل كئيب هكذا كان يسير لا تسمع منه غير همس مريب لأحاديث على مشارف المدينة تنتحر بالإيحاء والإيماء والإيجاز تختصر ، وفي مدامعه تحجرت الفواجع لفقد أحبة برمح سقم أو طعنة فقر ... ولكن عينيه مثل السماء بخلت أن تجود بقطرة دمع إلا حيث تكمن مدامع الرجال حين تفيض الدموع سواقي في القلوب لكنني في هذه اللحظة رأيت وجهه غيمة حبلى اعتصرت القلب وبرقت العينان بومض غريب ومن الأعماق اندفع صوته كرعد يداعب سويعات السحر قال شيئا مسموعا لا تتبينه إلا إذا أجدت تهجي لغة الرعد والمطر .
كان وادي القطارة يندفع بقوة في اتجاه البحر فيحيل زرقته إلى تراب حينها رأيته يغالب دمعة أبت إلا أن تسقط فتنطفيء في الغدير ثم وقف وأشاح بوجهه إلى السماء ربما كان يعاتبها لقد تأخرت كثيرا فلم يبق في الريف ما يشده للبقاء ثم نكس رأسه وعقد يديه وراء ظهره وسار واهبا نفسه للمدينة كأسير .
________________________________
سالم العبار – جزء من رواية عام العطش -