حلقات من برنامج البعد الآخر

هذا البرنامج الثقافي القصير للكاتب سالم العبار  كان من البرامج الخفيفة التي قدمت خلال شهر رمضان المبارك في إحدى السنوات من خلال إذاعة بنغازي المحلية ... هذا وقد قدم له الكاتب في حلقة الاستهلال بقوله (( سنصحبكم من خلال هذا البرنامج في مثل هذا الوقت وطيلة هذا الشهر الكريم وعلى مدى خمس دقائق وقد حرصنا على أن تكون هذه الدقائق مكرسة لإستيعاب زمن كبير ، حيث أننا سنعرض عليكم موقفاً من المواقف الحياتية في قالب حكائي وندعوكم لإكتشاف أبعاده النفسانية العميقة ، فالحقيقة ليست في المعلن والظاهر دائماً ، إنها هناك في أعماق النفس وهي التي توجه سلوكنا وتحدد مواقفنا ومن هنا سيكون هذا البرنامج في شكل مسابقة حيث نعرض عليكم في كل حلقة موقفاً ونطلب منكم تحليله واكتشاف أبعاده من خلال دراسة الشخصيات التي نعرضها من خلال  دراسة نفسانية .  

الحلقة الأولى

الإنسان بطبعه مغرم بالأسطورة ، لأن خياله يسعى دوماً إلى الإبتكار والإكتشاف المستمر ، ولأن الأسطورة تقع في عالم الغيب غير المدرك فهي جزء مهم وعميق وحميم من ركون الخيال إلى إنتاج الأشياء التي يعجز العقل عن إنتاجها ، فالعقل يبدو محنطاً وقاصراً ، العقل من العقال ، وللوهم حكم في الإنسان شأن العقل بل إن له سلطاناً على العقل غير أنه سريع الزوال لإطلاقه بخلاف العقل الذي هو مقيد بما استفاد ولهذا كان أثر الوهم في النفس أقوى من أثر العقل وكان حكم الوهم غالباً ، ومن هنا تتسع الأسطورة للحلم فكثيرة هي الأساطير التي تترجم حلماً غائباً ، وحين ينشط الخيال فإن ثمة خللاً ما في الواقع ، ومن هنا تحدثت الحيوانات في كليلة ودمنة ومزرعة الحيوانات (( لجورج أرويل )) ودائماً للذاكرة مثال تنسج عليه (( فسليمان )) عليه السلام يفهم لغة الطير والنمل ، كما تجد الأحلام قدراً من الأهمية باعتبارها تستشرف المستقبل ولا تقف عند وجود الواقع وخلال فترة ما سمعنا عن شجرة تتكلم .. نعم تتكلم ، تخاطب الأطفال في منطقة - أبي زغيبة – * ، كانت الشجرة واحدة من شجيرات كثيرة هاجمها اليباس فتعرت من أوراقها بالرغم من طموحها لأن تورق من جديد ففي أفرعها خضرة تعد بالثمر ... كان المكان بقايا مزرعة قديمة حاصرتها الأبنية والطرق قال الأطفال أنها تتكلم ، لكنهم لم يذكروا شيئاً من كلامها ، ومن هنا فإن العقل يرفض هذه الأسطورة ، لكن لا أحد من الذين حكموا العقل يمكنه أن يجرؤ على الإساءة إليها ، لقد اكتسبت قداسة وصارت في أذهان الأطفال حقيقة تروى بكامل الدهشة ، وبعد فترة وجيزة بدأت الشجرة تفقد قداستها .. فكل الرجال كذبوا هراء الأطفال واجتثوا شقاوتهم بابتسامات ساخرة ، وحده ذلك الشيخ المسن تحدث عن الشجرة بحماس كبير لا يخلو من كلمات مؤثرة ، تحدث عنها كثيراً مجنداً وقاره وكامل تجربته ، لم يقل بأنها تتكلم ، لكن الحماس كان يدفعه لأن تكون كذلك أو أن تكون بأي صيغة شجرة مقدسة .. في كل يوم كان يجلس هناك وينظر إلى الأشجار اليابسة المتناثرة ، حتى قبل أن تحدث المعجزة .

هامش :

* أبو زغيبة : حي من أحياء بنغازي

الحلقة الثانية

 كان جالساً يتحدث بهدوء ، لم يكن حديثه مشحوناً بالغضب ، كان هادئاً رزيناً ، ولم يكن الحديث ذا طابع إنفعالي لولا علامات التجهم التي كانت تبدو على وجهه وهو يتحدث عن حياته الزوجية ، ثم عرج على قضايا إجتماعية عديدة مثل الزواج وتكاليفه والطلاق وتبعاته ، ثم ما كان ليخوض في هكذا حديث لو لم يجدنا نخوض فيه ، لقد كانت للحديث مناسبته ولم يظهر على المتحدث أي شكل من أشكال عدم الاستقرار الإجتماعي ، لأنه تحدث عن أسرته حديثاً اعتيادياً ، كتكاليف الحياة الأسرية وما يحتاجه الأبناء أيام الدراسة وأيام العيد مروراً بتكاليف شهر رمضان ثم وبجمل إعتراضية تحدث عن حاجة الرجل إلى زوجة تقاسمه حلو الحياة ومرها ، والأهم من كل ذلك أن تعي جيداً طبيعة عمله وقيمته ، وحاجة الزوجة إلى زوج يشعرها دائماً بأنها امرأة جميلة ومعشوقة ويعيش معها الحياة الزوجية وكأنهما في حالة عشق لم يصادرها قفص الزوجية ومتطلبات الحياة اليومية التي تبدو دائماً مثار خلاف بين الزوجين . تحدث كثيرأ حتى أنه سيطر على مجرى الحديث وبدأ يوجه الأسئلة ولا ينتظر الإجابة من أحد ، وكانت كل إجاباته ذات طابع قطعي لا يقبل إثبات العكس والحقيقة أن رجلاً وقوراً مثله يتحدث بهذا الهدوء الخالي من الانفعال يعطي الدلالة على مناقشته لما يقوله مناقشة هادئة مع نفسه قبل أن يقدم على التحدث بهذه القطعية لكنه كان بين اللحظة والأخرى يبدو عليه شيء من اللامعقولية من خلال ما يفعله بباقة الورود الإصطناعية ، فقد كان حيناً يرفعها وحيناً يضعها ويرتبها بينما لم تتوقف يداه عن صنع القوارب الورقية والصواريخ التي حيناً يبطلها وحيناً يوجهها نحو باقة الورود كل ذلك والرجل يتحدث بهدوء .. بهدوء خال من الإنفعال .

 

الحلقة الثالثة

(( عمنا مصباح )) قالوا عنه أنه تنازل عن كل شيء في هذه الحياة بعد أن أمتد به العمر إلى أرذله ، وصار ينتظر اللحظة التي يفارق فيها هذه الحياة ، كلن في كل مساء قبيل لحظة الغروب يجلس أمام بيته العتيق بعد أن يرش الأرض بالماء ويسقي حصانه الذي أختار له إسطبلا بجوار البيت .. ثم يجلس يرقب حركة غروب الشمس وأصابعه تعبث بحبات المسبحة ، ويبدو للرائي في تلك اللحظة التي تشهد احتضار الشمس في قلب الأفق أن (( عمنا مصباح )) ينظر إلى موكب جنائزي حزين حتى وهو يرد التحية بأحسن منها راسماً ابتسامة على شفتيه تحس في تلك الابتسامة خيط ألم    دفين .

ولم يكن أمراً محيراً  أن تراه هكذا في كل يوم ، يهتم بحصانه أو يجلس أمام بيته يرقب الشمس الغاربة ، أو حتى حين يحبسه الشتاء داخل البيت بعد أن يئس من رؤية الشمس التي أعتقلتها الغيوم ذلك أن غيبته أمام الجدران لن تطول فسرعان ما يطل مع إطلالة الشمس حين تفلت من أستار الغيوم وتطالع وجهه بابتسامة مماثلة لا تخلو من مشهد حزين أو حين يرسل في طلب أقرانه ليمضوا معه الوقت المتبقي من حياتهم في حديث ينبشون من خلاله ذكرياتهم القديمة ، لكن الغريب الجديد الطاريء على (( عمنا مصباح )) هو أنه لم يعد ينتظر غروب الشمس مهما حاولت أن تستميله ، وصار ينتظر شروق الشمس حتى إذا بدأت ملامح الغروب دخل وأغلق الباب تاركاً الشمس تحتضر وحيدة لكن الناس لم يتركوا (( عمنا مصباح )) يستريح مع نهجه الحياتي الجديد إذ صاروا يتساءلون عن هذا التغير المفاجئ ، وذات يوم عاد (( عمنا مصباح )) يجلس أمام البيت يطالع سحنة الغروب ، ولم يأبه حتى بحصانه الذي بدأ ينظر إليه رافعاً رأسه من الإسطبل وفي عينيه دهشة وسؤال ، فلقد رمقه (( عمنا مصباح )) بنظرة عابرة ثم عاد ينظر إلى الشمس التي أذنت بالغروب وحتى حين رأى الحصان يتجاوز الإسطبل ويركض مسرعاً في اتجاه الشمس ، لم تترك عينا ((عمنا مصباح  )) مشهد الشمس الحزين .

 الحلقة الرابعة

في هذا اليوم رأيت في عينيه بريقاً مختلفاً ، قرأت فيهما تحفزاً غريباً ،  لم يقل شيئاً ، لكن من يعرفه حق المعرفة يكتشف ما أنتابه من تغير وجداني مفاجيء ، وذلك من خلال تحفزه الذي يشعرك بأن شيئاً ما ينهض في داخله ، شيء في أعماقه السحيقة ، لكن ما تقوله جوارحه يكشف هذا الشيء الخبيء .

يقولون أن للأشياء ايقاعها الخاص الذي يولد سلطة ما على المشاعر فيشعرها بالفرح أو الحزن أو كلاهما معاً في شيء أشبه ما يكون بالتوجس ، أشياء قد تبدو لنا عابرة وبسيطة ، لكنها تحيلنا إلى زمان أو مكان يولد ذكرى وفي هذا اليوم الذي نحن فيه على مشارف فصل الربيع كان صاحبنا على غير عادته ، يتحرك من مكان إلى مكان ، حيناً ينظر من خلال النافذة ويطيل النظر إلى الأشجار ، ويرصد حركة العصافير ، وحيناً يدخن سيجارته ساحباً أنفاساً عميقة ويغيب وسط سحائب الدخان ، ثم يعود يفرك يديه مردداً – الربيع على الأبواب – وهكذا صار كثير الكلام وهو الذي لم نعرفه ثرثاراً ولم نعرف عنه اهتمامه بفصل آخر من فصول السنة .

ترى بأي احساس يقابل هذا الرجل فصل الربيع ،، هل ينتظره إنتظار المتوجس أم إنتظار المبتهج المحتفي ؟

لكن المتوجس لا يستقبل الربيع ويرصد مقدمه ثم يعود لينكفيء على نفسه غارقاً في ذاته !!.

 الحلقة الخامسة

قالوا إذا أردت أن ترى مالك الحزين فتعال إلى مصلحتنا سترى رجلاً ما عرف الابتسام قط ، حاد القسمات متجهم على الدوام ، قليل الكلام ، سريع الإنفعال ، إذا أصغى إليك وأطلت الكلام جحظت عيناه وتوقع أن يسمع منك ما يدفعه لأن يسيء إليك .. صار الجميع يتحاشون غضبه ، يلتزمون بمواعيد العمل ، وينفذون أوامره ويتجنبون نواهيه بعد أن فشل كل واحد منهم في أن يكّون صداقة معه ، والذين يعرفونه حق المعرفة من جيرانه وأقاربه يؤكدون بأنه إنطوائي يحب العزلة ويكره أن يجد نفسه في مواقف تنال من مقدار هيبته ومنزلته التي يريدها دائماً أن تكون رفيعة المستوى ، وقد حدد العديد من الممنوعات التي حرمها على نفسه ومنها الإستماع إلى الموسيقى الراقصة أو الغناء أو حضور الأفراح وهكذا أكتسب بجدارة لقب (( مالك الحزين )) ، إنه يخشى التورط في الآخرين فإذا تحدث إلى أحد وأحس بأن الحديث يأخذ طابعاً هادئاً ويكتسب شيئاً من الألفة والحميمية وتقارب وجهات النظر انسحب بسرعة أو غير دفة الحديث ، أنه يغلق كل الطرق المؤدية إلى قلبه وينجح في أن يكون أمام الناس كما يريد هو أن يكون ، لكن الشيء الوحيد الذي فشل في السيطرة عليه هو أن يمنع يده من أن تلج جيب سترته وتعبث بقطع النقود المعدنية والتي ما خلا جيبه منها قط ، فعندما يصغي إليك وأنت تحدثه يستنفر كل ما يجعله عصياً وقوراً رفيع المنزلة ، لكنه بعفوية تامة يحرك قطع النقود داخل جيبه ولا يتوقف عن ذلك إلا عندما يستدرك أنك قد ضبطته متلبساً بحالة لهو بريء ، حينها يزداد وجهه تجهماً ويخاطبك بحدة ويعجل بإنهاء الحديث .

وذات يوم ظن أنه الوحيد بالمصلحة بعد أن أنصرف الجميع ، جاء أحدهم يرغب في مقابلته وحين أقترب من المكتب سمعه يغني ، كان صوته جميلاً دافئاً ولا يخلو من نبرة حزينة ، لم يصدق الموظف أن يكون هذا الصوت لمالك الحزين ، ولكن من يجرؤ على دخول مكتبه ويرفع عقيرته بالغناء ، أقترب من الباب وحين دفعه بهدوء ، رأى مالك الحزين يرقص ويغني !! .

 

back