تجليات مهرة عربية  - قصص

 

الدفقة

 

يبكي بكاء مراً .... لم يزل .... تسمعه الأذن ، لكنها لا تصغي ، لا لأنها لا تريد ، بل لأنها لا تستطيع !! يحتد الصراخ .. يتمزق فؤادها حزناً .. تتلفت بين ركام الهياكل البشرية .. تسرح عيناها الغائرتان إلى البعيد .. يزداد الوجه عبوساً .. يتهالك الصراخ حتى ليكاد ينقطع .. تدفع بآخر قطرة دم في محاولة للاسراع .. تفتش بين الهياكل ، لكن لا شيء سوى العظام .

تتكالب الريح اللافحة العفنة .. عن بعد رأت عقباناً تحوم في الجو ، هرولت تبحث بين الأشجار عن شيء يسكت الصغير

- إنه صوت الماء في بطني هذا الذي اسمع .

رفعت رأسها إلى السماء .. رأت العقبان تبتعد وتحلق في ارتفاع منخفض ، تسمرت في مكانها ترقب العقبان تحط أو لا تحط .

- لابد أن طعاماً لها هناك .. لا .. بل هناك .. لقد حطت .. حطت بالكامل .. لكن المكان بعيد .. بعيد .

 

- 2 -

يتصبب جبينها عرقا – يصرخ صراخاً واهنا ً .

- لتصمت ولو للحظة .

أسرعت الخطى في اتجاه العقبان انفاسها تتلاحق .. تتحسس الطفل الذي صار شبه ميت – الشمس تقسو – أحست بجفاف حلقها – بللت شفتيها بقطرات ماء ومسحت منها وجه الطفل .

جدت في المسير .. عيناها مصوبتان حيث نزلت العقبان .. أحست بالإعياء ينخر جسدها .

- لأستريح قليلاً .

جلست واضعة الطفل في حجرها ... ظللته بقطعة القماش المهترئة – لم يعد يتحرك - .. حركته لم يتحرك .. !! وضعت يدها على قلبه .. نبضاته كدبيب النمل – تلتفت في كل الاتجاهات ، لكنها لم تنس موقع العقبان .

مدت يدها إلى عظام بجانبها تبحث بين المفاصل عن قطعة لحم لأي كان ، فما وجدت .

ضمت طفلها بين ذراعيها .. حاولت أن تجري ، لكن الجوع كان يمزق أمعاءها ، والإعياء والألم يشلان حركتها .

عاد يصرخ ، لكن صراخه هذه المرة كان أنيناً متقطعاً – يده تتشبث بالثدي الضامر – تركته يعبث به كما يشاء – تشبثت يداه بالثدي – عصرت ثديها بكل ما تملك من قوة ، ولكن لا شيء فيه – عض ثديها .. أحست بشدة الألم ، لكنها لم تبال .. صار يمضغه – أبعدته .. تناثرت قطرات الدم على وجهه الأسود ، وسالت من شفتيه ، فأخذ يمتصها في تلذذ واشتهاء !!

- إن كنت جائعاً فأنا أجوع .

تأهبت للوقوف .. لم تطاوعها رجلاها .

الأشياء بدأت تفقد ألوانها – إلى سمعها يتناهى صراخ بعيد .. بعيد – زحفت على بطنها في اتجاه الصوت – أخذ الصوت وكل الأصوات تنقطع – كل شيء من حولها يسكن في خفوت – كل ما في داخلها يجف ويموت – جسدها يرتعش .. نسيت كل شيء .

- إنها ساعة النهاية .

جذبت الطفل تحتها فانجذب بلا حراك ، وانطلقت تلتهمه .. في البعيد يرتفع الصراخ من ناحية الغربان ... عندما ميزت كل شيء بكت بتوجع حتى اختلطت الدموع بالدم – أخذت تلملم بقايا ابنها – ازداد الصراخ البعيد .

- إنه صراخ طفل .

قفزت من مكانها .. ضمت بقايا ابنها المتناثرة – حفرت لها قعر حفرة ووارتها التراب .. انهمرت دموعها ثانية وأخذت تنتحب ... الصراخ البعيد يرتفع .. يعلو .. رأت العقبان تطير وتبتعد ، نظرت إلى التراب في أسى ، وبلا مبالاة للصوت حاولت أن تبقى بجانب قبر ابنها ، لكنها سمعت الصراخ ينخفض ، فأطلقت ساقيها للريح في اتجاهه .

-   3    -

جسد امرأة يتكوم بلا حراك ، فقد ثقبت العقبان كل موضع فيه .. بقايا طعام متناثرة بجانبها ، من تحتها ينبعث صراخ واهن ، أبعدت الجسد .. تحته وجدت طفلاً صغيراً ، يده ممسكة بثدي أمه ... لم يمسسه شيء ، كانت المرأة قد حمته بجسدها كي لا تنقره العقبان .. جذبت الطفل إليها ، فدس وجهه بين ثدييها واستكان .. ضمته إليها ، أندفق شيء ناسف في أعماقها – ألقمته ثديها – تشبث الطفل بكلتي يديه .. انطلقت في نحيب طويل والرياح لم تزل تهب بالرائحة النتنة .

 

 


 

 * من وحي المرأة الصومالية التي أكلت طفلها من الجوع .