هذه الحياة ليست لي !!
حاوره – فرج العربي – صحيفة الجماهيرية العدد 1263
سالم العبارتعرفت إلبه ككاتب أولا عندما قرأته في الأسبوع الثقافي آواخر السبعينيات وتعرفت إلى كتبه وكتاباته ، وعندما عرفته كانسان وكصديق فيما بعد فإنني لم أميز كثيرا بينه وبين نصه ... هو نفس السر والصمت وتلك الحميمية الخافتة التي يحيطك بها سالم العبار دون أن يعلن عن ذلك ، إنه لا يقول لك كل شيء ومع ذلك فهو واضح ونقي ، ملامح الوضوح في سريته المفرطة وملامح النقاوة في ترحابه الذي لا يحد ...
سالم العبار صوت قصصي متميز منذ مجموعته الأولى ( تجليات مهرة عربية ) لأنه لم يحاكي من سبقه أو كتب على منوال من قرأ لهم ولكنه اراد أن يقول نفسه منذ البداية ، واتضحت ملامح هذه التجربة في ( منشورات ضد الدولة ) وفيما بعد ما نشره من قصص في المجلات والدوريات المختلفة .
سالم العبار صوت قصصي لا يخشى التجريب بل يتخذه منهجا وأسلوبا ليس في الكتابة وحدها بل في الحياة أيضا والتي يعتبرها ليست له ، وهو يعني الحياة المملة التي تتطلب التضحية بكل شيء بما في ذلك الكتابة أحيانا ..... انه ( ضنك العيش ) إن صح التعبير والذي يعيشه كثير من المبدعين عندنا ، إنه مرارة الحياة نفسها التي تطلب منا كل شيء ولا تمنحنا إلا القليل من اللذائذ ، إنه موقف المهزوم أحيانا – كما يعبر العبار – أمام دموع ابنه الذي يطلب قبل الرغيف لعبة جميلة ، وكيف السبيل إلى تحقيق المعادلة الصعبة هل نأكل من شجرة الزقوم كما يقول العبار أم نستمر في الثقافة ؟
المبدع دائما لا يملك إلا الأسئلة ، وأترك لكم حرية الرأي في قراءة هذا الحوار والتعرف إلى جزء من عالم العبار حيث استطاعت بعض أسئلتي التسلل إليه .
- القاص سالم العبار بعد عدة كتب ومخطوطات كيف تنظر إلى تجربة الكتابة من خلال علاقتك اليومية بالحياة ؟
- من خلال علاقتي اليومية بالحياة اكتشفت أن الحياة لم تعقد أدنى علاقة معي ، هذه الحياة ليست لي ، لا الوجه وجهي ولا اللسان لساني ، ولا الذاكرة ذاكرتي !
هذه المدينة التي ظهرت كنبت شيطاني على حين غفلة لم تكن لي يد فيها ، إذا كانت غلطة فهى ليست غلطتي وان كانت حسنة فليست من حسناتي ، لكنني لا أريدها أن تجعل مني أكذوبة كبيرة .. من أنا سؤال يؤرقني ؟ ، أنني لا أستطيع التحدث بصيغة الجمع إذا لم أعرف صيغة المفرد ، من أنا ؟ لم أختر شيئا في حياتي بدءا من اسمي وانتهاء بزماني ومكاني وتلك فجيعة ورثني إياها أبي ولم تك له يد فيها ، أبي الذي طردته الحياة من جنتها فنزح ليكتشف على حين بغتة عالما جديدا اسمه المدينة لا أحد يعرف كيف تكون في عجالة ، وهنا فقد أبي أشياء كثيرة ، كان عليه أن يبدل كل شيء بما في ذلك ذاكرته ، عليه أن يطمس كل اشيائه الجميلة وأن يراهن على المجهول وأن يحلم بالجنة الموعودة ، لقد أفنى في سبيل ذلك سنينا طويلة ، واستفاق ليكتشف أنه على غير وفاق مع حياته الجديدة ، بدأ يتعذب لقد مسخته المدينة بالتقسيط المريح ، أراد أن يعود ولكنه كان أحرق سفنه ، وأن الحياة حمامة طارت وهو أوزة تصفق ، فلم يك امامه سوى أن يراهن من جديد وهذه المرة من منطلق أن الأولاد امتدادا للرجال ، وكنت أنا أحد امتداداته الأربعة لا ندري ولا هو يدري كل هذه الامتدادات إلى أين تمضي ، كان يريد أن يجد نفسه فيها جميعها أو في بعضها أو في أحدها ، عرفت هذا حين بدأت أقرأه بوعي تام وأفسر حكاياته التي تبدأ في الريف وتنتهي في المدينة كان يسترجع الأمكنة والأزمنة والأحداث بدقة لكنه حين يصل بالحكاية إلى ذروتها تتفسخ ، تتوه في الأزقة وتمتصها الجدران ومن هنا كان لابد أن يكون ذاكرتي ولساني ووجهي ، كيف لا وأنا من صلب رجل إحدى رجليه في القرية والأخرى في المدينة ، رجل أكتشف خطيئته فحجبني عن الأزقة وأراد مداراة سوءته فأسرني بحكايات الريف التي أفسدتها المدينة ، وأنا أيضا حاولت أن أراهن على حياة جديدة أريد أن أعرف من أنا ، أردت المكان الذي يملأني حميمية ودفئا ، أردت الحالة المفعمة بالصدق ، أردت الذاكرة البكر وهي ترسم دهشتها الأولى فلم أجد إلا سيرة أبي وحميمية أمي ، كانت هذه علاقتي اليومية بالحياة وحين تماهيت فيها اكتشفت إن أبي وأمي يلخصان تاريخ شعب ووطن وأمة .
- لابد وأنك مع جيلك استهوتكم فكرة التجريب على مدى واسع تجربة القصة القصيرة ، القصة الحالة ، القصة الخارجة عن الإطار المتعارف عليه .... إلى أي مدى حققت هذه التجربة حضورها في القصة الليبية ؟
- كيف لا ، ألم أقل لك بأنني حاولت أن أراهن أن أشيد عالمي الخاص ، لم يكن ذلك ترفا ، كان محاولة لإثبات الذات ، أن يكون لي لوني المتميز ، أردت لغة جديدة لكنني اكتشفت أنني مصادر بغنائية القصيدة وأن حالتي تتبدد من جراء عمل ميكانيكي وإن القصيدة المبنية على ذائقة السماع إذا دخلت قصة أفسدتها ، كنت أفرغ الحالة في شحنة انفعال على أنغام إيقاع غريب عنها ، وعرفت أن القصة الحالة هي التي تتحرر من الجاهزية ، حاولت أن أكون بسيطا ففي البساطة سر العمق ومفتاح الدهشة ، وإن القصة كل قصة لا يمكن أن تخلو من حدث وبداية ووسط ، ولو لم أجرب ما وصلت إلي هذه القناعة ، وربما وصل إليها الذين جربوا مثلي ، نعم لقد تعرضت القصة الليبية كغيرها في أقطار الوطن العربي إلى محاولات تجريب مستمرة ، وكانت القصة القصيرة قد طرحت خلال السبعينيات هنا في ليبيا قبل أن تطرح في أقطار يشهد لها الآن بالريادة في هذا المجال ، ولك أن تطالع قصص عمر الككلي وعبدالله الخوجة ثم عبدالسلام شهاب وفتحي نصيب والهنداوي والمسلاتي ، ثم يوسف الشريف الذي تعامل مع التجريب بوعي ، كل قاص حاول أن يضيف ولو في جزئية من جزئيات القص ، خليفة حسين في( صخب الموتى )، وأحمد الفقيه في ( إمرأة من ضوء ) ، ويوسف الشريف في ( ضمير الغائب ) وسواهم كثيرون كسعيد خير الله وقصته الرائعة ( المفتاح ) .
- بعد ( تجليات مهرة عربية ) و ( منشورات ضد الدولة ) ألاحظ أن هناك تجربة جديدة بدأت تظهر من خلال قصصك المنشورة هنا وهناك كيف تنظر إلى هذه التجربة ؟
- حاولت أن أجرب أن أكتشف كياني ، فحاولت أن أعيد اكتشاف الأشياء من جديد وألا أسلم بمعرفية لها إحاطتها وشمولها الكاملين ، عدت إلى الذاكرة لأجدني على نقطة التماس بين مرحلتين ، مرحلة يقصها أبي كاملة الأحداث فإذا بها قصة المرحلة التي أعيشها ، وقصة مدينة لم تتحول إلى مدينة ، لم يرتسم منها سوى بعض ملامح الشكل في الوقت الذي تعشش البداوة في قلبها ، قصة أناس ناموا ثم استيقظوا فاقدي الذاكرة وكنت واحدا منهم ، وها أنا أبدأ من جديد بعد أن اكتشفت مكاني في نقطة التماس بين القرية وطموح المدينة ، ولا شك إنك قرأتني في قصصي الجديدة المبعثرة هنا وهناك في الصحف والمجلات ..... أنظر إليها نظرة صوبها نحوي أبي ذات مرة حين عجزت عن جمع ما تبقى من شياهنا التي نزحت معنا إلى المدينة ، لقد عجزت عن جمعها في الحظيرة ، كانت آخر ما يملك ، حينها بكيت ملكا لم أحافظ عليه محافظة الرجال .
أخي – فرج – الأحداث تتداخل وأنت الشاعر الذي لا يستهين بالمواقف الصغيرة وتعي جيدا بأن الهامشي هو حقيقي وإن الكثير من الظاهر زائف ، ولا يبلغ مدى المخفي ، وحتما لن تستهين بهذه الواقعة الصغيرة الكبيرة ، لم أحافظ على هذه القصص محافظة الرجال الذين يعرفون الطريق إلى ( الدار ) ولك أن تتخيل الدار كل دار ، بما في ذلك الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع ، ومازلت أسألك وأنا البدوي الذي لا يعرف أزقة المدينة ( أي الطرق يؤدي إلى أين ؟ ) لقد أضعت الطريق التي سلكتها ذات مرة إلى الدار الجماهيرية للنشر ، ولكن ما ذنبي إذا كانت المدينة تبدل شوارعها كل دقيقة ، أين الطريق أم إنك مثلي في حاجة إلى دليل المدينة ؟ .
- إلى جانب كتاباتك القصصية تكتب المقالة والدراسة النقدية وتكتب للإذاعة وربما برنامجك ( ما يكتبه المستمعون ) خلق علاقة واسعة مع عدد كبير من المواهب الجديدة .. كيف تنظر إلى تجربتك الإذاعية وماذا حققت لك ؟
- لن أخفي سرا إذا قلت لك بأنني أموت خلال اليوم الواحد عشرات المرات ، أموت حين تلح علي لحظة قصصية فأغتالها بعنف وبشاعة بل وأمثل بها ، لا لشيء إلا لأنها تحول بيني وبين إلزام اجتماعي يسمى تجاوزا بالواجب ، أموت وأنا أقف موقف المهزوم أمام دموع ابني وهو يطلب قبل الرغيف لعبة جميلة ، أموت وأنا أعجز عن كتابة رد على خطاب وردني من صديق أو صديقة ، كثيرا ما أشعر بفداحة تعاستي ، وفجأة أصير أغنى أغنياء العالم وعاشقا متيما بعد كفر بالعواطف أتعرف لماذا ؟
لأن وجوها لنفوس طيبة قابلتني وتقابلني في الشارع وعبر الرسائل تثمن جهدي وتثق في ، فأعيش وسط هذا العالم الذي شيدته رسائل متابعي وكتاب ( برنامج ما يكتبه المستمعون ) ، أعانق أحاسيس رائعة تبدد وحشة وقفر حياتي وهذا سر تسخير جهدي ووقتي لهذا البرنامج الذي بلغ الآن سن العاشرة ، هذا ما حققته لي تجربتي مع الإذاعة ، ولكن ماذا أقول لامرأة وأطفال لا يجيدون العيش في هذا الثراء والنعيم الذي أنعم به ؟ إنها جنتي التي لابد أن أطردهم منها أو آكل من شجرة الزقوم .
- هناك من يرى أن المشهد الثقافي الليبي راكد وهناك من يقول أنه بدأ ينهض ثم أليست هناك مفارقة ما بين الركود والنهوض ما رأيك ؟
المشهد الثقافي الليبي كتب عليه الركود ، مشهد يحاول أن ينهض لكن مشهدية أكبر تحجبه ، مشهدية مادية تعكس ثقافة مضادة هي دخيلة علينا رغم إجادتنا لها ،قلة قليلة تلك التي جندت نفسها من أجل خدمة الثقافة وارتضت حياة العوز والفاقه في سبيل أن يكتب لها الظفر بالقيم والمثل ، وهؤلاء هم المبدعون الحقيقيون الذي نهض الأدب في بلادنا شعرا وقصة على أيديهم التي لا تقبض على شيء سوى القلم ، هؤلاء أسهموا في النهوض بالثقافة واقطع يقينا بأن المبدعين الليبيين يفوقون غيرهم بمراحل ، لكن صوتهم لم يصل ولا أقول لم يتعد مساحة هذا الجزء من الوطن العربي الكبير بل أقول لم يتعد حناجرهم ، ثمة ركود في الصحافة نتيجة غياب الإمكانات المادية ، والخبرات الصحفية ، ثمة ركود في حركة النشر ومن هنا كان هذا الثنائي العجيب :
ركود ، ونهوض ، نهوض وركود ، ولا أدري الغلبة لمن ستكون ؟
- ألم تفكر في كتابة الرواية رغم أنها قريبة إلى القصة وما رأيك في التجربة الروائية الليبية ؟
أحيلك إلى إجابة عن ذات السؤال في معرض مقابلة لي مع صحيفة العرب والسؤال للأستاذ ( فاضل البياتي ) لقد قلت ومازلت أقول بأنني أكتب قصصا قصيرة لقصة واحدة ، أؤرخ لحياتي في المكان الذي حدثتك عنه ، هناك عند نقطة التماس ، فتلك القصص رواية كتبت على مراحل ، كل كاتب قصة يكتب رواية حتى لو لم يكتبها متواصلة يضمها كتاب واحد ، إنه على جرعات قصصية قصيرة يكتب رواية ، وكل رواية عربية تتجاوز النقطة التي حددتها كمكان بخطوة واحدة في اتجاه المدينة قاطعة الصلة بجذور المكان الحقيقي لشخصياتها وهو الريف لن تكون في مستوى رواية استوعبت بعمق المكان المتأصل الذي نرتبط به بحميمية أعمق وهو الريف ، ومن هنا يمكن القول أن الروائيين العرب حتى وإن جنحوا بعيدا فهم يكتبون رواية واحدة هي خيبة هذه الأمة وقصة شتاتها ، يكتبون رواية ترمم مدينة أو تحاول أن تنشئها ، مدينة تتخلق لا تنتج إلا رواية مثلها ، إن الروائيين العرب والليبيين منهم على وجه الخصوص حين يستعيدون ذاكرة الطفولة لن يجدونها داخل مدينة تتخلى كل يوم عن شكلها ، كل لحظة شوارع تتبدل فتمحي أمكنة وذكريات ، وتبقى القرية الثابت تاريخا ولك أن تلاحق شخوصها المتبدلين مع مدينة تتبدل ، لهذا هرب ( إبراهيم الكوني ) إلى الصحراء و ( خليفة حسين ) إلى التاريخ و ( الهنداوي ) إلى مرحلة قصيرة لا يمكنه أن يمضي فيها إلى الأمام إذا لم يعد بذاكرته إلى الوراء كثيرا ، والرواية تحتاج إلى كاتب ينصرف للكتابة لساعات طويلة ومعنى ذلك أن يتفرغ للكتابة وإذا تفرغ الكاتب منا للكتابة كيف يعيش ؟
- هناك من يقول أننا منغلقون أي أن أصواتنا لا تنفذ إلى أكثر من مرمى السمع رغم أن أصواتنا عالية وبمقدورها أن تحضر بفاعلية أينما تكون لماذا هذا القصور في إيصال أصواتنا ؟
أصواتنا رائعة وجميلة يشهد بذلك كل من استمع إليها وفي استطاعتها كما قلت ويقول كل من حالفته المصادفة في التعرف إليها أن تحضر بفاعلية ولكن وسائل توصيل هذه الأصوات غير متاحة إذا لم نقل معدومة وهنا سنجد أنفسنا نتحدث مرة أخرى عن النشر والتوزيع وسوق الكتاب ، علينا أن نعاين قنوات التثقيف وحتما سنكتشف مواطن القصور .
- لابد وأن لديك مشاريع تحت الإنجاز ومشاريع تم إنجازها ... تحدث إلينا بخصوصية أكثر عن عالمك الذي تعيش ؟
لدي مشاريع تحت الإنجاز ولن تنجز ، ألم أقل لك أنني في زحام الحياة اليومية اغتال الكثير من لحظات الإشراق والتجلي ، تظل تلك المشاريع تترى على ذاكرتي وتموت الواحدة تلو الأخرى وهي لذلك دائما تحت الإنجاز إنجاز شهادة وفاتها وحتى تلك التي نجت بأعجوبة وكتب لها أن تدون على الورق تموت بين طيات الصحف والمجلات .
- هل يمكننا الحديث عن عادة القراءة ، قراءاتك مثلا .. أي القراءات تستهويك دون غيرها أو أثرت بشكل ما في حياتك وتجربتك في الكتابة ؟
لحظات القراءة هي أيضا أختلسها اختلاسا ، في صباي أتيح لي أن أقرأ كثيرا واستهوتني كثيرا قراءة العلوم الإنسانية والشعر ، وكان لتلك القراءات أثرها في تجربتي المتواضعة هذه وفي شبابي قرأت كثيرا جدا عن القصة القصيرة كما لم أقرأ أي لون أدبي آخر .
- كيف تنظر إلى علاقتك بالقاريء ... وبأي مستوى تقيم هذه العلاقة ؟
حين يصوب الصياد بندقيته نحو طيور في أعلى الشجرة يهمه كثيرا أن يصيب أكبر عدد منها ، على الرغم من أنه يعلم بأنه لن يظفر سوى بواحد منها ، لكن هذا لا يثنيه عن المحاولة ، ويكفي الكاتب فخرا أن يفوز بقاريء واحد فهو في المقابل قد نجح في استفزاز الآلاف ، دائما حين أكتب يرتسم أمامي هذا القاريء ، وأولئك القراء لكنني ازداد صدقا مع نفسي وأحاول أن أكون بسيطا وعفويا وغير هذا لا أملك للقاريء شيئا .