في خديجار العبار: ضجة النساء لا يفهمها الرجال !!!
هناك نقطة فاصلة بين زمن الفكرة وزمن الكتابة ، ورغم تناهيها صغراً لكنها حاسمة ، فبمجرد أن ينهمك الكاتب في إفراغ فكرة ما يحكم عليها ببداية العبور خارج خياله ، الكاتب القادر على إبداع نص بفكرة لا تنتهي بنهايتها بل يفتح أمامها مجال الحياة في وجدان القاريء ، هو الكاتب الذي خرج من حصار الذات ليسكن ذوات الآخرين وأفكارهم .
خديجار .. مجموعة قصصية جاءت بأزمنة مختلفة ، وظلت في نطاق (( الزمن الواقعي )) ومن المستحيل أن أكتب قراءة عامة لها في مقال صغير لأسباب عدة أهمها سببان الأول أنها نصوص مختلفة زمنياً والثانية أن كاتب هذه النصوص يجيد كتابة النص القصصي ، بلغة تختزل عشرات الدلالات والإشارات ، وهنا جوهر القصة القصيرة وبراعة كاتبها ، لذلك سأكتفي بقراءة في نص – خديجار – الذي جاء عنواناً للمجموعة الرابعة للقاص سالم العبار والصادرة عن الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان .
مقارنة تأملية مدهشة يعقدها العبار منذ البداية بين الألوان البراقة وألوان النار ليأخذها نقطة عبور إلى داخل الحدث الحقيقي .... لحظات تأمل في هذا الاكتشاف المذهل الذي قلب حياة البشر وترك لها طعماً آخر – النار – لكن النار التي يرمي إليها العبار قد تختلف ؟ .
(( لم أخش شيئاً اسمه النار ، تجذبني ألوانها المتناسقة المتعددة المتداخلة في لون واحد فأدنو منها ، أتأملها وأعجب أن يكون هذا الشيء الجميل مصدر افتراس )) .
بعد هذا التأمل الذي يبدو أنه أستغرق زمناً بدأ يتعرف إلى حقيقة النار .
(( قبل ذلك اليوم لم أعرف من النار إلا دموعها ))
أي دموع هذه التي تتفجر من تأجج سعير النار أم أن الدموع تولد مشتعلة عندما يلامسها لهيب الألم ؟
هذا سؤال يضاف إلى استخدامه المكان (( كان ذلك قرب وادي – بوعليا – أمام ضريح سيدي عمورة )) حكاية تعرفه إلى النار جاءت وكأنها مصادفة (( أجتمعت أختي وثلاث عنس وحفرن ثلاث حفر ملأنها بالماء وانتظرن بوله أي من الحفر تستبق في ابتلاع الماء )) .
وتنتهي اللعبة عندما تكتشف خديجة أن حفرتها آخر حفرة تظل مملوءة فتشعر بالانكسار (( لقد بكت خديجة بدموع حارة سمعتها تنطفيء في حفرة الماء وأحسب أنني توهمت ذبالة أذكاها الماء فأتقدت )) .
سؤال آخر .. ما هو ذلك السحر الذي قيد خديجة ..؟ ليس المهم ، بل الأهم هو اللجوء لأقرب قوة قد تغير حياتها وتأتيها بما يطفيء سعيرها .
(( رأيتها تطلق البخور وتتمتم بدعاء حزين )) لكن العقدة تتجلى في شكل حمار ظهر مع صوت أمها ، شهوة تأتي فقط لتستمتع لتروي عطشاً جنونياً .. رغبة عابرة .. في هذا الحمار – الذي قد لا يكون حماراً بالتحديد – (( رأيت الحمار يطارد أتانه وقد ضجت في عروقه نار الشهوة )) .
خديجة لم تتوقع أن تصدم بحمار تحركه الشهوة ولا يلتفت لأمر آخر غير الرغبة الجامحة الجائعة .
(( رأيتها تحاول أن تزم شفتيها لتنفخ النار لكن الشفتين لم تلتقيا ، رأيتهما تتباعدان بمساحة عمرها المفعم بالشوق والالتياع )) .
الحدث صار جللاً وصارت القضية كبيرة فالنار التي في داخل خديجة زادتها استعاراً نار الحظ القادم مع حمار لتشعل كل شيء ولعاب خديجة المتفجر سخطاً يؤججها .. لحظة متأخرة تلك التي يسب فيها الجميع خطيئة الحمار أمام ضريح سيدي عمورة .. لكنهم أبداً لم يعلموا أن ما حدث ليس لعنة من أحد بل من الجمرة المتقدة لهباً جعل من خديجة ناراً.. أو خديجار .
ومن الأسئلة التي تطرحها القصة في النهاية أن ثمة ضجة وحريقاً في قلب المرأة قد لا يتفهمه الرجل فتكون أحكامه شبه قطعية ..؟ .
عبدالله صالح الزائدي – صحيفة الجماهيرية العدد 2783