قراءات -  العبار والغرائبية القصصية

 

العبار والغرائبية القصصية

 

سالم العبار في مجموعته القصصية ( خديجار ) يستلهم روح حكايات مدينة بنغازي ويتوغل في سرد قصصها المترعة بالشفافية والبساطة ففي قصة ( الجخ ) يختفي – خميس – ولا يعثر عليه وبعد أيام تختفي فتاة اسمها – الجارحة – وعندما يذهب الجميع برفقة الشيخ للبحث عنها في الكهف .. يعلن الأب بأن ابنته اختارها الله لتكون من حوريات   الأرض .

ويخرج الأب والرجال من الكهف وهم مصابون بحالة ذهول ويجهد الراوي في تفسير ما حدث من أحداث حتى بعد مرور خمسين عاماً ولكنه لم يتوصل لمعرفة السر , ولا يمتلك سوى أن يرتطم بالهياكل العظمية المتناثرة في الكهف ، فما الذي جرى في الكهف وما علاقة اختفاء كل من خميس والجارحة في وقت متقارب بالكهف ؟

ذلك هو الجزء المخبوء غير المتيسر والذي يسدل عليه الستار بتبرير ديني بأن حوريات الأرض قد اختطفتها !! .

وفي قصة الرصد نلمح نفس الجو العام الذي يبرع القاص – سالم العبار – في رسم خطوطه من خلال شخصياته المختارة بعناية فها هو الولد الذي يلمح فتاة يومياً تحت ضوء القمر أمام الغدير الذي خلفه المطر على أرضية البيت بشعرها الطويل الجميل .. فيتهيأ له بأن تلك الفتاة ما هي إلا عفريته أو جنية من الجنيات التي طالما حدثته عنها أمها وعندما أخبر والديه وأخته قال له والده أنها مريومة التي سكنت البيت قبلهم ، ثم نكتشف في نهاية القصة بأن تلك الفتاة ما هي إلا أخته التي كانت تتسلل في الليل لتختلي برجل داخل البيت فخيال الطفل الذي حشي بقصص العفاريت والجنيات جعله يعتقد بأن تلك الفتاة ما هي إلا جنية من الجنيات فانعقد لسانه من الخوف والدهشة إلى أن نكتشف مع والديه الحقيقة الفاضحة .

ويتردد صوت الراوي في أكثر من قصة في المجموعة والذي يظهر في صورة طفل صغير يسجل تفاصيل الأجواء السرية للبيوت والشوارع المتلاحقة وكأني بعيون الطفل تفتح الأبواب على الرغبات المدفونة والآهات المكتومة فيشرعها ويجعلنا نستمتع بمعرفة الباطن وراء الظاهر الذي يبدو هادئاً ساكناً جداً .

فالقاص يجدل حكاياه من عبق الطفولة ويسترجع صورة الأب في أكثر من قصة كما في قصة -  الرهان – حيث يبدو الأب كالأسد المكبل بعد أن أضطر نسيجه للتغير الحضاري أن يستبدل الحصان الذي يعشقه بسيارة فيتصور السيارة حصاناً جامحاً ويتراهن على الفوز بها في سباقه مع سيارة أخرى مارقة بجانبه .. مما يؤدي في نهاية السباق إلى فقدانه لحياته وتنتهي القصة بقوله :

( الفارس يموت فارساً )  فرغم التغيير الذي دخل باجتياح الآلة لحياتنا إلا أن التعامل معها كان بنفس روح الفروسية التي أندثرت بقيمها ونقاوتها الجميلة فتماهى الماضي بالحاضر في صورة الحصان والسيارة تحت يدي الأب – الفارس –

إن القاص استفاد من الجو الخرافي الذي ترتع فيه العقلية البسيطة والتي لم يتخلص منها حتى الآن فتبدو التفسيرات الخرافية لأحداث وقعت في نطاق الحي كما في قصة - المس – حيث أرجع الأهل مرض ( ريم ) تلك الفتاة الجميلة إلى جن حل في جسدها بينما الفتاة كانت تتمرغ في عذاب الرغبة العاتية والتي أطفأتها بين يدي الولد الذي أصابه الذهول بعد إدراكه لسرها المنيع ماتت الفتاة ومعه فقط سرها الذي لم يعرفه أهلها فيجنح القاص إلى أسطرة الواقع حسب المنظور الإجتماعي للناس أنفسهم بهذا الواقع وليس لمجرد الغرائبية كما نقرأ لبعض كتاب أمريكا اللاتنية مثل – ماركيز وغيره فيما يسمى – بالواقعية السحرية – فقصص سالم العبار مستلهمة من روح الفنتازيا الاجتماعية التي تضمخ بها قصص جداتنا وهذا يعطي برهاناً على أن لدينا مخزوناً تراثياً عابقاً من القصص والحكايات التي تستحوذ على اعجابنا عندما نقرأ لكتاب عالميين .

لكننا نفتقد لمن ينقب في هذا التراث بمهارة وبعيون راصدة كما نقرأ في هذه المجموعة القصصية التي يبدع من خلالها القاص – سالم العبار – في رسم مدينته الصغيرة – بنغازي – حيث يحتفي بالأماكن وبحكاياها الخصبة التي ترتع في ظلال المدينة التي تبدو بالظاهر هادئة ولكن تحت هدوئها هناك أمواج تكمن في هذياناتها والرغبات والأمنيات المكتومة .

وتبدو المرأة في هذه المجموعة القصصية متوارية خلف الحكايات ربما لأن القاص يكتب عن فترة كانت فيها الفتاة مختفية خلف الستائر والشبابيك المغلقة .

فلا يبدو للمرأة في الملمح العام للقصص – أي دور مؤثر سوى المردد للهمس الدائر خلف الأبواب المغلقة وبعيونها المراقبة للأحداث خلف الشبابيك المسدلة أو تقتلها نيران الرغبة والكبت والقهر ؟

ولا تبدو المرأة بارزة في المجموعة القصصية إلا في لوحتين قصصيتين هما قصة ( خديجار ) و ( كم الساعة الآن ؟ ) .

في قصة ( خديجار ) التي عنونت بها المجموعة القصصية يبدو الرصد للحالة الأنثوية غير مكتمل وكأنها رسم للوحة ناقصة ففي هذه القصة يرسم القاص صورة مشعة لفتاة متقدة بروح النار الملتهبة بارعة مضيئة تشتعل ولا تجد من يطفيء نار اشتعالها لوحة بارعة أجاد القاص في رسمها في إحتفاء بأنوثة متقدة بالرغبات وربما هاتان القصتان الوحيدتان في المجموعة القصصية التي كانت فيها البطولة المطلقة لأمرأة مختلفة عن الخطوط العامة لنساء المجموعة القصصية .

 

انتصار بوراوي

 

back