قراءة في نص مغاير

 

 الناقد عبد الرسول العريبي - لمجلة الناقد- العدد الثالث عشر - يوليو- 1989 

 

(( لا يهم التصنيفات الأدبية ، لكن المهم ان نكتب أدبا يهز الحكومات )) بهذه القناعة يلج سالم العبار عالم الإبداع متمسكا في كل أثر جديد له بهذه الخصوصية التي يود لو تكون هي صدى صوته وفضاء طموحه ككاتب يحمل رؤى وأبعادا وقضايا ذات علاقة جدلية ومعرفية بوعيه كانسان يناضل على مساحة صغيرة من الورق ويتكبد الكثير من المشاق الفنية لكي يخلق ذلك التجانس المفترض بين نصه ومعناه .

وربما حان الوقت لكي نناقش إمكانية القاص لدى سالم العبار بعد أن صدرت مجموعته القصصية الثانية – منشورات ضد الدولة – وقبلها بسنوات مجموعته القصصية – تجليات مهرة عربية - .

ذلك لأن سالم العبار الذي أطل علي القراء في خطوته الأولى تجاه الأدب – بكتابه عن الأدب الشعبي بدا أنه يملك ممكنات الباحث وطموح الناقد من دون أن نلتمس الطريق إلى كونه سيتحول بفاعلية إلى عالم القصة القصيرة .

وحين نشر العبار قصته التي تحمل اسم المجموعة – منشورات ضد الدولة – كنت كتبت مقالة يومية مقتضبة عنها وعن سالم العبار محاولا القول عبر القليل من الكلمات أن ثمة مسافة شاسعة بين النص من حيث هو قصة وبين المتلقي الذي سيعاني مشقة التحصيل إزاء نص بهذا التكوين البالغ العتمة .

وكان أن أثار ذلك الرأي المزيد من النقاش والكثير من سوء الفهم ، غير إن سالم العبار تفهم موقفي تجاه نص مغاير يطمح إليه ، ومنذ ذلك الحين وأنا أشعر بمزيد من التحفظ تجاه ما يكتبه العبار وكذا الحال مع القاص سالم الهنداوي الذي بدا هو الآخر يلتمس طريقه نحو نص مغاير عبر رؤى مترامية يشوبها الكثير من الغموض ويكتنفها هاجس المناوأة للسائد ، لكن ذلك لا يمنع من القول ان كليهما العبار والهنداوي صارا على قدم وساق مع طموح مغاير على صعيد القصة القصيرة ، وان بيانهما الإبداعي رغم تراكم التعريفات له من قبل كليهما في لقاءات صحفية مختلفة وعبر ندوات إذاعية صار يتكون شيئا فشيئا بين وعي نظري وممارسة كتابية .

وفي ضوء هذه المعطيات كرست قراءة ثانية لقصص العبار – منشورات ضد الدولة - .

في مطلع المجموعة تطالعنا قصة بعنوان ( ثمن الولادة والعدم ) وهي بما عليه من تأسيس طموح إلى قصة يفترض فيها العبار خياره الإبداعي جاءت أشبه بالنموذج لما سوف يتقادم من قصص تحمل إزاء السائد الكثير من أسباب التناقض .

فالقصة لم تكتب حدثا في الماضي من حيث هو حالة تاريخية في مخزون الوعي لدى المتلقي ، لكنها تقدمه في الحاضر ولم تلجأ إلى الحدث الذي سينمو أمامنا ويكبر منذ البداية حتى ذروة النهاية ، والقصة لم تخاطب في دواخلي كمتلق ذلك المستقر المعرفي بحيث ينهض في داخلي لمجرد النبش عنه من قبل كاتب مثقف يطرح رؤى وقضايا وأفكار مزدحمة بينما مفاتيحها مازالت في جيب معطفه ، والقصة بعد ذلك لم تنطلق من أي تجربة مسبقة يكون من شأنها أن تعيننا إزاء ما سيلوح في ثناياها من غموض متعمد وبالغ الدقة ، توخى الكاتب من خلال نسجه خلق تلك الحالة من القلق المعرفي لدى المتلقي .

 إذن نحن أمام مسافات ثلاث عبر قصة واحدة ، الأولى تعبر عن مكبوت الوجع جراء نكسة تتواصل في نفوسنا وتنهض فينا كلما احتدم الصراع بين إنساننا وبين العدو .

ونعني هنا النكسة التي يشير لها القاص ب( حزيران ) ثم أمام مسافة أخرى ، وهي في وعينا أيضا بين نكسة حزيران ومعركة ( تشرين ) بما آلت إليه الآن .. ثم نيسان كما طرحه الكاتب بمثابة صدمة أو حقيقة مرة يجب أن نتجرعها باعتبارها – كذبة مذهلة – أيقظت فينا الإحساس بالعدم الأبدي واللا جدوى .

وذلك جراء هاجس النكسة المتأصلة فينا ، بعد ذلك ينهض اسم مريم ، وهو إسقاط مستحيل يريد الكاتب منه أن تحدث معجزة أو خرافة أو خارقة ما لكي تواجه الواقع المادي ، بكل أحباطاته ، ذلك لأن الواقع في وعينا هو الشعور الدائم بالدونية تجاه النكسة في حزيران- ثم الشعور بالأحباط تجاه ( تشرين ) ، فليس اقل والأمر بهذا التواتر من الشعور بحالة موضوعية ، وهي أن المحصلة هي كذبة أبريل – نيسان كما يشاع في الأسطورة والواقع .

إذاً القصة هنا هي مزدحم من الأزمنة المختزلة عبر شهور هي بمثابة علامات فاصلة داخل زمن واحد .

وإذا ما انطلقنا من هذا الوعي بالنص سنجد أنفسنا كقراء أمام شائك آخر بالغ القسوة على أذهاننا كقراء ، لكننا سنلجأ إلى طريقة ثانية لقراءة النص من حيث هو بنية فنية طموحة ومغايرة :

(( حزيران تشرين ... نيسان ... مريم .. تحدث كم تشاء .. قل أي شيء .. حزيران – تشرين ... نيسان .. مريم

- قل لي كم عمرك ؟ ‍!

- ثلاث سنوات فقط ؟ !

- ولكنه مدون عندي على أنه ثلاثون ... )) .

الحوار كما سنرى في تالي القصة يعول على الزمن وينطلق منه ، فهذا حزيران يحمل في كيانه كمحتوى زمني نكبة من أشرس النكبات على إنساننا ، وهذا تشرين هو الآخر مزيج من التوق والإحباط والتخاذل في عقد تال من الزمن الذي يختزل الكثير من الأوضاع ، بعد ذلك يلوح نيسان كما لو أننا أمام مسرحية من ثلاثة فصول :

- النكسة – الإحباط – انكشاف الواقع بشكل هزلي مر .

بعد ذلك في سياق القصة نكتشف عبر هوامش من المفكرة – وهي محاولة من الكاتب لاستدعاء الخبيء من المشاعر الكامنة – نكتشف العمق النفسي لبطله أو البعد التاريخي لكيانه ، وهو هنا يقول : ( أنا عندما دقت طبول العشق في ظلمة خاطري المهجور ، فرّ البوم ، وأطلقت عصافير فرحي الملونة ..) أو يقول : ( العاشق الذي يقدم قلبه لعشيقته ، كي تنخر سويداه يشبه إلى حد بعيد استجابة ) إسماعيل ، لوالده إبراهيم ) .

وهذا البعد في نفسية بطله هو الذي دفعه إلى القول وهو بصدد الحوار مع الطبيب : ( أنا لست مجنوناً ... ) ، أو يقول في مكان آخر : ( أنا أعرف سيمفونية واحدة عندما تهب الريح الشمالية الغربية ، محملة برائحة البحر ، تهتز الشجرة النحيلة ، لكنها لا تنكسر ) ، وفي مكان آخر : ( هي ... : أنا ، أنا هي ، هي الشجرة ، الشجرة أنا ، عندما أحاول التجزئة لا أستطيع ) .

وحين نسأل ممن جذور هذه الشجرة ، تقول لنا القصة عبر بطلها : ( في قلبها ) ، والأنا كيفما وردت وحيثما وردت هي عمق اجتماعي ومعنوي للأنموذج الذي توخاه الكاتب .

ولابد أن نكتفي بهذا القدر من العلاقة مع نص محكم الانغلاق يرفض أن يمنحنا لذة الانتصار عليه والإحساس باستيعابنا له ، وذلك على الرغم من أننا كما سيتابع القاريء كشفنا الطموح القصي للكاتب لكي يوصل إلينا معناه ، فنحن في المحصلة أمام جدلية مذهلة بين المعنى الذي نهض فينا وبين الإيحاءات المتعددة للمعنى نفسه ، فاللغة هنا صريحة وواقعية ومعلنة بينما أكتنف الغموض منطقية الحدث وجلله بالعتمة ، فليس بوسعنا وتأزم النص بهذه الدرجة سوى الانسحاب إلى قصة أخرى لعلنا نجد فيها بعض العزاء ولنواجه تحدي الإبداع لنا .

* قرار العصافير بلون العلم .

سيلاحظ القاريء حين تتاح له قراءة هذه المجموعة القصصية أن ثمة مسافة شاسعة بين بنية قصصية وأخرى رغم إصرار الكاتب على خلق تلك الجسور الخفية بين نص وآخر وهو هنا في قصة – قرار العصافير بلون العلم – يلجأ إلى الرمز الشفاف عبر حركية عصفور تمثله الكاتب في حالة ضياع وليس في حالة سجن كما تبادر لمن حوله ..... فالعصفور هنا ليس سجيناً وليس مهيض الجناح فقط يود لو تفتح جميع النوافذ لكي تشرق الشمس في كل بيته .... فهو عصفور بديع حقا .. الباب مفتوح ولم يفر عبر الباب مفضلا الارتطام بالزجاج الذي زيف له ضوء النهار ، .. فالضوء من وراء الزجاج لا يعني الآن .... ) .

هذا الاعتراف المّر من قبل بطل المأساة في زمن التناغم هو المفتاح الوحيد إزاء قصة تتبدى مركبة للوهلة الأولى تستبق فيها الأحداث بعضها بعضا على طريقة السيناريو للأشرطة السينمائية المعاصرة .. حيث يلوح الحدث عبر تداعيات مرئية من خلال – الاسترجاع - .

والعبار هنا – من زمن التناغم – كعادته دائماً يراهن على حالة تشبهه في وعي المتلقي تكون بمثابة ذبذبات حساسة تلتقط باستجابة فائقة ما لا يجب أن تقدمه قصة ترفض التفاصيل والإشارات الواقعية طامحة إلى تأسيس مناخ شامل يكون الحدث فيه عارضاً وليس رئيساً ، وهذا التأسيس البالغ التعقيد تكبد القاص جراءه الكثير من المشقة لكي يصنع قصصه التي نحن أمام مغاليقها الآن وبكثير من سعة الصدر .

( ونود هنا أن نتناغم مع زمن التناغم بعد أن صار في أيدينا مفتاح القصة تماماً ...)

( حتى أرواحنا يازكية سلسلة متصلة الحلقات ، حياتك كانت مرتبطة بحياتها وحياتها بحياته وحياته بما يفعله ضدنا ، التقطت ذاكراته الجريمة ...)

القصة هنا تحتاج للمزيد من الوعي ذلك لأن مناخ القصة ليس مناخ جريمة كما قد يتبادر إلى أذهاننا بل هو مناخ شامل يحمل في ذراته تفاصيل المعاناة .... لدى الجماهير .... الجماهير من حيث هي .... شرطة لصالح السلطة كيفما تكون هذه السلطة وضد من .... ضد الحرية ، كما تمثلها الكاتب زكية ... التي يقول – قاتلها البريء – برصاص السلطة ( إنني موقن بأنها كانت تود أن تقول شيئاً ترى ماذا أرادت أن تقول ، لابد أنها كانت تود أن تقول أنني بريئة ... ) ثم يعترف بمرارة : ( أنا قاتل العصافير .. أنا ساحق الورود ... ) .

ثم ماذا ؟ .

( نعم وكان في قلبها الوطن .... )

الكاتب هنا يمارس تجاه قصصه في الغالب رغبة كسر السياق حتى تنتفي عن قصصه سمة السرد التقليدية وتضطر في ضوء ذلك إلى التعايش مع رغبة جديدة في الكتابة هي مزيج من الرؤى والصور والاحتمالات وفي ضوء ذلك حين تكاد تكفر بالنص وكاتبه تكتشف أنك أمام أحد أهم مفاتيح الحدث القصصي أو اللغز كما قد يروق لك كقاريء أن تسميه

ووجهة النظر هذه تنسحب على ( زمن التناغم ) التي قال لنا بطلها عبر تداعيات ذهنية ما يجب أن يقال في قصة قصيرة

فنحن أمام شرطي أو – بوليس – كما يليق أن نسميه تمادياً في ادانته .. هذا البوليس يقوم بمهمة قذرة من وجهة نظره هو على الأقل – وهو يعي ذلك – لأنه يملك أسبابه – فحياته مرتبطة بحياة محروسه.. وهو السلطة هنا أو الدولة كما نتمثلها في ذات الملك .

وهو هنا لن يتردد في قتل ذويه وأقرب الناس إلى قلبه .. زكية ( لو لم أقتلك لقتلوني ، لقد اشتريت بحياتك حياتي فاعذريني ... ) .

وتلك هي الإجابة الحاسمة عن عقدة القصة المرتبطة بمقتل – الفتاة زكية وسط حفل صاخب ينصب فيه الملك كأبهى ما يكون .

القصة هنا لا تطرح حدثا رغم أن القاص هنا في قصته يقدم حدث مقتل زكية بهامش يطلق عليه – الحدث - .

بل تقدم إشكالية مرعية هي إلى أي مدى يمكن أن تقاتل الجماهير دفاعاً عن السلطة ، هل إلى حد قتل من نحب ونعشق ونتمنى مقابل أن تعيش السلطة إلى الأبد ؟

هل نطلق النار على – زكية – البريئة ، لمجرد أنها أفردت شعرها للريح وركضت بعنفوان وجنون فيما قطرات المطر تهطل وتسيل ببطء ... ثم ماذا تمثل زكية ؟ .

(( صغيرة هي في عمر الزهور ، عيناها تداعبان حلماً جميلاً ، عاشقة وحالمة كانت ...... )) .

 (( لكن أنطفأ الحلم واغتيل العشق ... )) .

تلك هي المحطة لقصة - زمن التناغم – التي بلا شك تتناغم مع الإيقاع الداخلي لكل قصص المجموعة ، بل أن الفتاة التي نهضت فجأة في قصة (( قرار العصافير بلون العلم )) هي ذاتها بشكل أو بآخر الفتاة التي ذبحت برصاص البوليس في     (( زمن التناغم )) وهي نفسها التي (( تسافر في الوطن أينما تشاء .... )) ، كما في قصة ( عريس الشمس ) (( كان ليلا وفي الليل ليل ، يمد القمر شعاعاً واهياً حنوناً قبل أن يعتدل بوجهه أمام القضبان ، فيرسم قضباناً طويلة تمتد بحجم الزنزانة وترتفع لتشمل الوطن كل الوطن ... وكذا تفعل الشمس بعد أن يسبقها شعاع الفجر )) .

(( رفعت عينيها تحدق إلى القمر ثم أفترت شفتاها عن ابتسامة نقية )) ، (( ضرب الجنين بطنها بعنف ... )) .

سقط الجنين على أرضية الزنزانة .. رأت له وجهاً كالقمر ، وعينين سوداوين ، ووجنتين ورديتين وفماً مدوراً .. وحينما أفاقت ، كانت الشمس تقتحم القضبان في زي عروس ، فنظرت إليها وابتسمت .

هامش :

(( إحدى السلطات الحكومية ، منعت إحدى المناضلات من الولادة في المستشفى )) تلكم هي قصة – عريس الشمس – التي كان بوسع العبار من مدخل العضة الواقعية التقليدية أن يسردها كما حدثت فعلاً حين منعت إمرأة مناضلة من الولادة في المستشفى ، فأشرقت في السجن .

ولكنه لم يفعل وهو مصر على أن لا يفعل هذه الحماقة الواقعية ، ذلك لأن العبار بما هو عليه من وعي سياسي حاد ورؤيا فنية ثاقبة مدهشة يفترض في نصه دائماً تلك الحالة من الألق الشعري الذي يغزل به قصصه صورة صورة من دون أن يقع تحت طائلة الحدث الذي يصر – وهو ينظر لتجربته – هذه- على أنه سيتلاشى أمام مناخ عارم يزخر بالممكنات والأحداث والرؤى .

بعد هذه الرحلة القصيرة مع ( منشورات ضد الدولة ) – مجموعة العبار الثانية – يجب أن نكتفي بهذا القدر من الممارسة النقدية المتواضعة لكي نطل عبر أفق واسع على البعد النظري لنص مغاير تماماً ، يطرح نفسه مع مجموعة من المفاهيم والتطبيقات التجريبية ولم يتوقف بل شق لنفسه مجراه وحفره بعناد وصبر وبصمت مذهل من كاتب لا تملك إلا أن تحترمه وتشد على يده كل مرة تراه فيها .

وذلك لا يعني شيئاً على صعيد المجاملة النقدية بل يعني أن سالم العبار وهو يحمل عبء هذا الحلم الفذ من الخلق الفني إنما يؤسس لنفسه ولجيل قادم أول طريق لفن قصصي بالغ التفرد والذاتية الإبداعية التي لم يستوعبها السائد أو يؤطرها ، وهو كما نرى ونقرأ من القوة بحيث لم يفلت منه سوى .... من هم بصبر العبار ورؤياه البعيدة في الخلق .

 

back