خديجار سالم العبار : تقنية جديدة في كتابة القصة القصيرة مبنية بجماليات مستحبة على نسق  فني متميز

يكتب بذكاء وهو من الكتاب القليلين الذين يواجهون بجرأة واقعا يفترض أن يكون ساذجا ونظيفا بما هو سيء  وموجود فيه .

أجواء القصة عند الكاتب الليبي سالم العبارلها بريق الطفولة ، وبراءة الكائنات الصغيرة ، ورونق الطبيعة ن وألم الإنسان الواعي لما يحدث أمامه من فجائع .. أقول هذا دون مجاملة أو معرفة سابقة به ، فها هو كتابه الذي يضم 24 قصة وقد اختار منه قصة خديجار  وأطلق اسمها عنوانا عليه ، الغلاف ملون وجميل تقف فيه البيوت بنوافذ مظلمة ، وكأنه منذ البداية يهيئنا لندخل هذه البيوت ونكتشف خباياها إ ن هي بيوت الذاكرة ؟ أم الماضي الذي ماتت أنواره بمضي العمر أم بيوت شبيهة بالقلوب العربية مليئة بما يجعلها معتمة في الداخل؟ .

 

في خديجار ( مجموعة قصصية صادرة عن الدار الجماهيرية – ليبيا ) توقفنا أكثر من محطة أمام صور متكررة لأشخاص يبدو أن مكانتهم عند الكاتب أخذت حيزا كبيرا في الذاكرة والقلب .

صورة الأب تأتي بشكلها القديم ، والمكان بالتأكيد انتقال بين ريف ومدينة والأوجاع متعددة بين وجع الطفل في المجتمع العربي الفقير ، ووجع المرأة في المجتمع الجاف نفسه ، إلى قضايا الوطن .

وربما يشعر القاريء في النهاية أنه أمام نص متصل الفقرات ، أو نصوص مرتبطة بعضوية قوية تمنحها صفة تقربها من الرواية ، شخصيا لم أصادف هذه التقنية في كتابة القصة القصيرة ، ولكن حدث أن وجدت العكس .

ولا أدري إن كان سالم العبار – الذي يجهل القاريء العربي خارج الجماهيرية مثلي مقدار تجربته الكتابية ونوعها – يقصد بهذه النصوص القصيرة المبنية بجماليات مستحبة على نسق فني ناجح ، تدوين سيرته الذاتية بطريقة ذكية أم أنه مزج بين واقع طفولته الذي أحبه وعناصر فرضتها المخيلة والأدب .

يدخل بنا قصته التي لم تتجاوز الكلمة الواحدة وبدقة نكتشف جمال العنوان مع نهاية القصة ، في ( الفارس ) يصف مرارة الفقر ، يتوجه بطلنا ( الراوي ) وهو طفل نحو السوق مع والده ، يركبان حصانا في الذهاب والعودة ، فتنكسر المرأة لأن الحصان كان آخر ما يملكه الرجل ، وينكسر الرجل لأنه خذل امرأته مرتين : (( قست ببصري المسافة التي تفصلني عن البيت الذي ابتلع أبي ، فألفيتها قصيرة ، تسللت من المكان وعيناى مسمرتان على الباب حتى وصلته ( ..... ) أمام كل نافذة و باب امرأة ، ومن كل باب رجال ( ..... ) لقد تأخر أبي وكدت أطرق الباب لو لم تفتح النافذة التي أجلس تحتها ، فأقف مذعورا لأرى امرأة تفرد شعرها وتعلك شيئا ( ..... ) .

كيف يجد الصور المتكاملة ، متدرجة من الوصف المكاني إلى وصف الرائحة التي تعكس براءة طفل وخيانة رجل ؟ يعود ذلك حتما إلى وعي الكاتب الباكر لتلك الأشياء التي تحدث حوله ، وقد عرف كيف يستثمرها بأسلوب قصصي مشوق يجعل القاريء يبتسم استحسانا حتى وهو يقرأ صورة مؤلمة .

إنني لا أزج بالكاتب في نمط كتابي معين ينحصر في كتابة السيرة الذاتية ، لكنه حتما يكتب بذكاء ، وهذا يعني أنه من الكتاب القليلين الذين يواجهون بجرأة واقعا يفترض أن يكون ساذجا ونظيفا بما هو سييء وموجود فيه ، ويرصد تلك الازدواجية بعيني طفل ليعطي للقاريء انطباعين :

الأول : أنه يرى الخطأ من باب البراءة المحضة ، ومن هنا فهو يمتلك شرعية النقد إلى أبعد حد ، فالمعروف أن أغلب الكتاب يمارسون الخطايا وينتقدونها بشكل يثير المجتمع أحيانا تجاه ازدواجيتهم ، ولهذا فذاكرة الطفل ونقده للواقع أكثر من مقبولة في هكذا مواقف .

والثاني : يكمن في وصف مرحلة من عمر الإنسان تعتبر الحجر الأساسي لتكوين شخصيته ولا أدري لماذا لايعطي الكتاب العرب أهمية لهذه الفترة وتوظيفها خارج إطار سرد حياتهم الشخصية ، فيما عدا بعض القلائل جدا .

في قصة سالم العبار أيضا نجد التأكيد والتحديد لحالة معينة بداية من تلك العناوين التي لا تتعدى الكلمة الواحدة ، بأل تعريف تقدم النص بثقة وتصميم للقاريء : ( الرصد – الصرخة – الإشارة – العورة – السبابة ........... الخ ) في السبابة مثلا نكتشف ثراء الرؤيا ، إذ تقدم خمس لوحات يرصد فيها حركة السبابة كحالة ، فهي التي يمصها الولد وهو صغير تعويضا عن الثدي بعد الفطام ثم يمصها على كبر شهوة أو( ندما أو ظمأ لا يدري ) ص52 إلى السبابة التي تكون إصبعا رئيسا في العزف على المزمار ( أو أي عملية إبداع أخرى على اختلافه ) ، لكنها أيضاً السبابة التي تضغط علي الزناد وترتكب حماقة القتل ، والسبابة التي ترمز للتشهد عند المسلم وهي حركة تعكس ممارسة دينية مسالمة محضة .

لكن الكاتب في النهاية يجرنا إلي اعتراف أخير ( تابع ببصره سبابته التي بدأت تهوي ، تذكر أن سبابته جربت كل شئ لكنها لم تجرب الضغط علي الزناد ، ورغم ذلك حاول أن يرفعها ليرسم بها شارة النصر ) ص 53 .

وفي بعض القصص نجد الرمز يلعب لعبته فنرتوي من كل جهاته بالحقيقة .

في قصة ( فساد النص ) مثلاً يواجهنا التعدد الرمزي للحقيقة لكنه دائماً بتلك الطريقة الذكية يربطنا بالطفولة البريئة من خلال لعبة وكيف أن اللعبة تأخذ شكلا فاسداً بعد سن النضج ( أحزروا من أنا ؟ الكفان قويتان والصوت مخيف ... كان علينا ألا نغلق آذاننا وندير لك ظهورنا ... فسدت اللعبة ... فسد النص ) ص 63.

وفي الحقيقة ليس النص هو الفاسد وإنما صياغة الحقيقة بشكليها المختلفين .

الفساد عنصر يرتكز عليه التأويل المتعدد للنص .

أين اللعبة في النهاية ؟ إنها ليست لعبة قلم ولكنها لعبة الغدر الإنساني الذي عمره بعمر الإنسان .

نحب مداخل قصصه ونندهش عند نهاياته ، وربما مدخل قصة (( خديجار )) من أجمل تلك المداخل ، إذ يتقدم النص استدراك جميل هو (( إننا نخطئ في أسم النار والتأريخ لاكتشافها )) يرسم لنا فضاء لانخرج عن مداره المحدد بوهج النار ، منذ النار التي لاتخيف الكاتب إلي النار التي حتماً أسمها ( خديجة ) المتواجده في زمن لم يكتشفها أحد فيه غير   ( راوي النص ) فكانت خديجار أسماً جديداً للنار التي ( تتقد ولهباً يتصاعد راسماً كل الألوان ) .

وربما يعجبنا هذا الأسم أكثر وننسى تفاصيل القصة التي تتحرك نحو قمة الحدث من ( دموع النار) ( وهو تشبيه بليغ وجميل) إلي دموع خديجة ( صراحة ) إلي تلك التقاليد النابعة من خرافة أو أسطورة والتي تؤمن بها الصبايا ، إلي طقوس يقمن بها تقرباً لتحسين الطالع إلي ( سقوط الجمرة علي الأرض ) وإشعالها لما حولها أي جمرة سقطت ؟

هنا يتضح لنا بعد نظرة الكاتب ، وكم لنا متسع لفهم القلب الذي يشتعل أو ينكسر أو تأكله نار الخسارة .. كل شئ يضج في رمز سالم العبار وكأنه يصر ألا يقرأ نصه مرة واحدة .

 

فضيلة الفاروق – الجزائر- مجلة الشاهد 2000 م

back