قراءة في قصة متوهجة
( 1 )
إذا لم تخني الذاكرة فأنا لم أترك عملا أدبيا وقصصيا وقعت عليه عيناي دون قراءة ، ودون رحلة شاقة في أجوائه ، لكني ما فكرت في الكتابة عن عمل قصصي قرأته ، ليس إهمالا ، أو عدم قناعة ، إنما لأنني أفضل الطيران بأجنحة الشعر الملائكية ، وأرى العالم قصيدة ، صنعها الإنسان ، وباركها الله ، فكانت نافذة للشمس ، وبحرا تستحم به الأقمار ، وبعمر الزمن ظلت تلك القصيدة إلى جنب الإنسان ، لم تخدعه ، ولم تخنه ، فهي معشوقته التي تختصر همه وشقاءه وهي بندقيته التي لن تخذله وهي الشجرة ( الشجاعة ) التي تأتيه بالثمر، والطيروالشمس ، وهذا كله جعلني أبحث في كل الأعمال الأدبية ، ومن ضمنها القصة ، عن لحظة الشعر ، التي تنكشف لي ( إنسانية العمل الأدبي ) من خلالها ، وجعلني أؤمن بعدد محدود من كتاب القصة ، فقد أختلف معكم لكنها رؤيتي الخاصة بي .
( 2 )
لكن هذا لا يمنع متابعتي للأعمال القصصية التي تنشر في الصحف والمجلات سواء في الجماهيرية أو في أنحاء أخرى من الوطن العربي ، وقد وجدت أن القصص التي ينشرها الصديق القاص سالم العبار قصص متوهجة ، وتحمل رؤية ناضجة ، وصادقة للإنسان ، وللحياة ، وللأشياء ، وبلغة قصصية شفافة ، فيها من الشعر شيء ، ومن التعب شيء ، والحلم ، والطموح الإنساني أشياء .
فهي تشدك إلى قراءتها ، ولا تنتهي بك ، إلا بعد أن يتأكد لك جيدا إن المستقبل للإنسان ، وإن التاريخ لن يتجاوز ولن يلغي حركة أصابع كل إنسان شريف ، ونقي ، يعمل بصدق ، ويحلم ، ويبدع ، ويعيش ، وإنه في الأخير يمتلك الشرعية في إبداع المدن الجميلة ، والحدائق ، والطيور الملونة ، من أجل أن يتعود أطفاله الضحكة ، والرقص الجنوني ، والطيران إلى قارات الدفء ، بأجنحة من ذهب .
( 3 )
من يقرأ عمل القاص الشاب سالم العبار – منشورات ضد الدولة – سيكون بالتأكيد متفقا معي وحريصا على بريق تلك المدن القصصية التي يبنيها العبار بعرق ودم وفكر فالمنشورات عمل متقدم إذا ما قيس بأعماله القصصية الأولى ، فيه عمق ، وفيه أصالة ، وفيه قرب ( واعي ) من الروح الإنسانية المتعبة ، فيه عذاب الآخرين ، وآلامهم ، إنه يبوح بأشياء
قد لا يستطيع إنساننا العربي المقهور البوح بها وارتباطه هذا بالإنسان ( لا يؤمن له حراسة دائمة ) إنما يعطي لكل ما يتضح تحت أصابعه من أعمال الخلود والديمومة .
( 4 )
وبلغة القاص المتمكن يبدأ قصته : ( يهامسه وجه عربي يعرفه لكن يخشاه ، فيهاجره الوجع ، ويندغل في الفؤاد فكان أغنية تتحلق حوله الجموع ، تشاكسه عيون الأطفال ، يتلون وجهه محموما تباغته ( سمية ) مهرة بر تتحدى الجمود ، تنفلت ركضا بهيجا ، يمتطي جناح شوق لها تعرفه ، يدركها ، ويغازلها كتابة على الجدار ) والعبار يؤكد – في تلك المقدمة القصصية – براعته في استخدام لغته ، وانتقاء مفرداته ، وشحنها بالأجواء الشعرية ، ومن ثم بناء قاعدتها الصلبة ، أقصد ذلك الهم الإنساني المشترك .
إن ( صالح ) هو بطل القصة ومنذ زمن غادرتها السحب ، والعصافير ، ( صالح ) هو ذلك الرجل – المتعب – الذي يحمل في شرايينه أكياسا من الأمنيات المشروعة والمعتقلة .
( قالت لي حين عبرت الدرب مهيض الجناح ، هو الحب درب المدينة الفاضلة ، وإنني وشم منقوش على جبين الكادحة ، ابتسامة ما منقوشة على الشفاه ، نظر إلى البحر والراية على المبنى المقابل تحمل النجمة السداسية ، فأضاف : اليوم أرى الوطن قد صار فصلا من فصول المهزلة )
ومن خلال تلك اللوحة تأخذ أمنيات المواطن المقهور ( صالح ) شرعيتها ، ولم يكن غريبا على الإطلاق أن يحلم بامتلاك جبل من الكبريت ، أو غرفة ملأى بالديناميت ، لكي يحرق جذور تلك الأنظمة ، التي وجدت في الذل ، والعار ، والانكسار وسادتها ( المريحة ) التي لا تصل إليها الكوابيس ، إن ( الدم لم يزل ينساب والراية تخفق ) و ( صالح ) يريد حرق الراية ، لأنها تعني الفقر ، والذل ، والمهانة ، ولأن وجودها يعني المزيد من الدم ،والقتلى ، والمدن الخائنة ، وهذا ما دعا المواطن الطيب ( صالح ) للغضب ، والتمرد ، فينفجر ( معتليا كرسيا بالمقهى المجاور ) قائلا :
( تعالوا ياأطفال اسمعوني : كم كان بودي أن أحبس الحرف في خاطري ، ولا أبوح ، لكن مخاض الحرف كما تعرفون عسير ... فكلماتي لا تحتمل التراخي والتأجيل ، كلماتي شهيدة أزفها لمن أشتهى أن تنتحر حروفي قربانا لها ، ولدرب طويل أعرف أنها خطيئة ، ولكن تلك الخطيئة ابنتي ولا يهمني أن أحملها مصلوبا ..... ) .
وتلك الصيحة الجريئة أشعلت في الآخرين غضبا ، ووصفت لكم الطريق إلى الرفض والتمرد ، وقد يتحول ذلك الغضب الجماعي إلى ثورة ، والثورة في تعريف البطل ( صالح ) المواطن المقهور ، أن يهيء نارا ، أو يشعل عود ثقاب في هذا الهشيم ، ويبكي لأنه مضطهد ، وأن إحساسه بالعزلة والقهر ، يرجع لكونه واحدا من الفقراء ( المغضوب عليهم ) وذنبه أنه يحلم بحرق الراية – التي تلغي سحر هذه المآذن برأيه – وينبه الآخرين إلى جحيم المدن الخائنة .
( نحن الفقراء يبدو أننا لسنا من طينة البشر ، لا نحن من الطبقة المسحوقة في فصيلة الكلاب ، لقد زنت بنا أمهاتنا في عز الظهيرة .. وعندما نموت- نموت في الأزقة المنسية .
فأي عذاب هذا الذي يؤرق – صالح- ويكون مصدر حيرته وقلقه وانكساره ، إنه عذاب الإنسان الذي يمتلك كوخا باليا ويتنفس هواء فاسدا يأتي من الأنظمة الخائنة ، التي تجد في عذاب – صالح – وأمثاله نوعا من التسلية .
جميل أن يتحول هذا العذاب إلى كتاب رفض يقرأه صالح وأصحابه كل صباح لكي يجيدوا – البصق – و- التبول – على تلك الأنظمة الرجعية المتعفنة .
( 5 )
و ( منشورات ضد الدولة ) تجسيد رائع للأساليب – القمعية – التي تلجأ إليها تلك الأنظمة ، محاولة قهر وإذلال ووضع نهاية بشعة للأنقياء أمثال صالح : ( أستيقظ من شروده ، تأمل الدم النازف من كفه ) فالدم النازف منه و – صورة الرئيس – وقيام صالح ب( تلطيخ صورة الرئيس بالدم ) ما هو إلا تعليق شجاع على الأسلوب القمعي ، المهم أن صالح – المقهور – قال كلمته ، غير آبه بمداهمة العسكر ، وهو متأكد من أن يديه الخشنتين ستكبلان بالحديد ، ويصفع ويشبعه كلاب السلطة عذابا وقتلا ، لكن كل شيء يهون ما دام – صالح – جادا ، وحريصا وصادقا في حمل عود ثقاب إلى ذلك الهشيم .
عذاب الركابي -شاعر وكاتب عراقي