ذلك الكاتب

في الكتابة كما في الحياة ، هناك قيم ثابتة يجب الدفاع عنها بشرف ، والعمل على تحويلها إلى قيم مشتركة في أوسع نطاق بين المثقفين والناس بعامة .

هذه القيم من الصعب فصلها عن أخلاق الكتابة وأخلاق الأفراد كمواطنين في وطن أو كبشر تعيش معهم وبينهم ، تتأثر بهم وتؤثر فيهم ، وقد كنت دائما أصر على أن الخلق في الرجل هو معيار العلاقة معه وتحديد المجال الطبيعي لهذه العلاقة ، وكنت أقرأ كتابة الكاتب ثم أتحسس موقعه الأخلاقي في نفسي وتجاه مجتمعه ، وكم من مرة راهنت على كتّاب باعتبارهم قدوة وباعتبارهم تجربة وتراكما وقيمة فكرية وثقافية ضمن تراكم السنوات في بلادي .

وكنت اكتشف مدى الهوة السحيقة بين تجربتهم ككتاب وبين سلوكهم النفسي والاجتماعي والأخلاقي ، فأعمل على أن أفضل بين التفاني في المرء وبين الانتهازي بين الوعي بالكلمة كرسالة وكقضية وكوسيلة حضارية لبناء النفوس والأرواح والقيم ، وبين التعيش عليها والانتهازية بها وتحميلها الطموحات السفلى في الكاتب ، وقد أدركت بالتجربة أن النفوس القميئة الميتة لا يمكن معالجتها بالحب والود ، ولا يمكن الرهان عليها باعتبارها تحمل فكرة أخلاقية أو رسالة إنسانية هي المشترك الثابت معها في رسالة الكتابة بل الذي انتهى إلي كإنسان يكتب ويراهن على الكتابة هو ما يشمئز المرء منه وينفر عنه ويبتعد بجسده عن أن يمسه وبروحه عن أن يدنسها فالفرار بالروح هو أطهر أنواع الفرار لئلا تتشوه في مغبة نزوة مغرية يحسدها عليها صغار النفوس وأشباه الكتاب ، وهو فرار شجاع لأنه يقاوم في النفس الأمارة بالسوء ، الأحلام الحقيرة الصغيرة التي – يكبر بها أشباه الكتاب – ويتزينون بها في حضرة فشلهم الإبداعي والفني والأخلاقي .

- لكن لماذا هذه المقدمة – الأخلاقية – وأنا أكتب لأول مرة عن كاتب مهم مثل سالم العبار ؟

- أقول لكم .....

لقد علمني سالم العبار أن الكتابة لا تكون كتابة إلا إذا تجرد الكاتب – كمواطن ، وكإنسان – من أخلاق العبيد وأخلاق – السوقة – وأخلاق التنافس المشين والرهان بها على التحصيل السيء السمعة .. نعم علمني ولا أخجل أن أكتب ذلك رغم أننا نقف معا على قدم راسخة واحدة في الإبداع والكتابة والحضور الثقافي في مواجهة أشباه الكتاب وضحايا الفشل المزمن .

- إذن أنا أمام كاتب مثل سالم العبار بفقره ، وعزة نفسه وعصامية تجربته ومصداقية انتمائه ورهانه على الغد المجرد من طحالب التجارب الكبيرة .

- يقف المرء في مقارنة بينه وبين حفنة من كتاب التصق المرء بهم وراهن على رسالتهم ليكتشف البون الواسع بين كاتب شعاره لا تكتب ما تخجل منه وبين كتاب شعارهم لا يهم ما يخجل المهم ما يمكن الحصول عليه (( بصحة وجه )) منقطعة النظير .

إن سالم العبار هو ذلك الكاتب الذي التقيته قبل عقدين من الزمن وعملنا معا وجلسنا معا ورحلنا معا – وزردنا معا – وكتبنا معا ولم أشعر لحظة واحدة بأن همه الشخصي أو النفسي أو الغائب – يغالب الكتابة فيه لقد كانت الكتابة هي رسالته وأخلاقها ورسالتها هي رسالته فكان هو ذلك الكاتب الذي لا يفعل ما يخجل منه أمام الأصدقاء ولا يكتب ما يخجل منه غدا .

 

       عبد الرسول العريبي

  صحيفة الجماهيرية – العدد 1387   

back