سالم  العبار : القاص الذي يستفزه صمته

حاورته خديجة الزوي

من اين نبدأ ؟

أنت تطرحين سؤالا بإتساع عرش الله ، إنه سؤال في المطلق متناه يجعلنا نتجاوز البدايات الصغرى التي نلجها سريعا لنصل إلى نهاية ما لأننا كلما فكرنا في البداية تطرق اذهاننا النهاية ،إنها المحصلة التي تفضي إلى هدف ، فكل تحرك هدف ولكن نهاياتنا الصغيرة تحيلنا إلى السؤال الذي يبطلها ثم ماذا بعد ؟ بعد كل كل نهاية لاعمالنا الصغيرة بدايات لأعمال أخر ثم ماذا بعد ؟ هنا نتحسس المطلق ، اللامحدود اللانهائي وهنا سر الإنسان ففي روحه وقدة غريبة من تطلع إلى خلود إنه إله صغير يتحرج أن يقول ذلك لكنه يسلك المسلك المؤدي إلى الألوهية ... إنها إشراقة جميلة لا ينبغي أن نستهجنها وينبغي أن نحررها من المسكوت عنه ومن ثنايا العقل المعتقل الذي يطفيء فينا هذه الوقدة من روح الله التي نفخها فينا ... الإنسان ضد الزمن لأن الزمن عامل إفناء والإنسان مشروع منفتح على الصيرورة لذلك فكل نهاياته بداية لشيء ينفقه في غاية ولا يوقف هذا المشروع إلا الزمن فالزمن دائما يهزم الإنسان في نهاية المطاف وهو الذي يجعل الإنسان يتحسس علاقته بالمطلق وبالغيبي ويعيش على حلم بحياة اخرى ، سؤال البداية والنهاية سؤال الحياة وهنا مكمن صعوبة البدايات لأن البداية خلق على غير مثال ، البداية إبداع ... حجر في مشروع كبير ، إن الله الذي هو المطلق كان عرشه على الماء ، هذا سر البداية العميق لكن حين نعرف أنه في البدء كان الكلمة ندرك عمق قداستها ، الله يقول للشيء كن فيكون والله خاطب الإنسان بالكلمة فلنتحر البداية التي لا نهاية لها فلتكن الكلمة بدايتنا .

كيف يجتمع الصمت والصخب في شخصك ؟

الصمت كلام والصخب هذيان الصمت ، الصخب نهاية انفعال ، لا يمكن أن ندركه إذا لم نطالع صمته فهو فعل نتاجه الصمت ، أما الصمت فهو بدايات تتواتر وأكثر الصامتين هم أكثر المتكلمين لكنهم يختارون لغة الصمت والصامتون عميقون فمن يستطيع أن يقول عن لغة العيون أنها لغة مباشرة أو قاصرة من منّا يمكنه أن يتجاهل حديث الوردة أو عمق النار إن صخب هذه الأشياء في أنها لا تقرأ في جلسة واحدة وحين نقبض على تفسير للغة الصمت تفقد عمقها لأنها تبلغ المنتهى ومن هنا لا أعرف لماذا أنا صامت صاخب لكنني سعيد بهذا الجهل .

أمازلت عند قولك بأنك منحاز للقصة القصيرة الآن بعد تجربتك الصحفية ؟

دائما أحس بأنني قصة قصيرة وهذه التسمية أبلغ ما أنتجته التصنيفات الأدبية فالكون قصة قصيرة والقصة القصيرة هي الحقيقة مجزأة أنها اللحظات التي تشكل البدايات والنهايات في صراعها مع الزمن الذي قلنا أنه عدو الإنسان ، القصة القصيرة ضربات على أوتار عديدة لوتر واحد ، إنها تقبض على الزمن وتعيد صياغته متجددا ، ولو أن كاتبا أنفق حياته يكتب القصة القصيرة فقط لأكتشف أنه يكتب رواية اسمها الحياة ويصنع أبطالا لبطل واحد هو الكاتب نفسه إنه الإنسان الإله الصغير في كونه الصغير الكبير المسمى قصة قصيرة ، ولقد ذكرت لك أن حياة الإنسان بدايات ونهايات لبدايات كلها تقع في المنطقة الصغرى ومن ثم فالقصة القصيرة أكثر الألوان الأدبية صدقا وتوافقا مع الحقيقة ، حقيقة الإنسان والزمان والمكان وأنا إنسان ومن هنا فإن إنحيازي لها ليس تعصبا أنه من منطلق انحيازي لذاتي ومن لم يستطع أن ينحاز لذاته لا بمكن أن ينحاز للآخرين ... أنا كما قلت أنت صامت صاخب والقصة القصيرة محدودة الكلمات والشخصيات وأنا أميل إلى الوحدة ، ومحدودة المكان وأنا شديد الارتباط بالأمكنة ومحدودة الزمان وأنا ككل إنسان محدود الوجود فالذين يحبون القصة القصيرة هم أكثر واقعية ، قد يكون في هذا تعليل لتحيزي للقصة القصيرة أما الصحافة فهي ذلك الطاريء الذي يشغلنا عن الأصل ويأخذنا بعيدا في عمل قصصي غير قابل للتدوين ويظل انحيازي لها انحياز إلى وسيلة وليس إلى غاية .

كتبت قصصا أستوقفت الكثيرين ...  ما نسبة الواقعي فيها وأي قصة يتطلبها هذا العصر ؟

الواقعي هو الحقيقي والإنسان يفني عمره وهو يبحث عن الحقيقة ولكنه لن يدركها ما لم يدرك الحقيقة المطلقة فالظاهر زيف الأشياء وصارت معرفة الحقيقة أكثر إلحاحا في هذا العصر الذي لم يقدم الأشياء على حقيقتها فالواقعية الاشتراكية التي هي نتاج رأسمالية الدولة كانت تدعي الإحاطة والشمول وأنها هي منتها الحقيقة والكلاسيكية كانت تعني بقضايا النبلاء بإعتبارهم هم فقط الذين يستحقون الحياة لكن كل المذاهب الأدبية من سريالية ورمزية ورومانسية ودادائية وكلاسيكية هي في الحقيقة تنشد الوصول إلى الواقع فقط كل مدرسة تنتهج وسيلة تختلف لبلوغ هذه الحقيقة وأنا أؤمن بأن الواقع ليس كل ما هو ظاهر ففي المخفي وغير المعلن يكمن عمق الواقع وما الظاهر سوى دلائل ورموز وإشارات أو هو الجزء الصاخب من الصمت الأعمق الذي تحدثنا عنه بعيدا عن مصادرة الرؤيا ووضعها في قالب مضروب حولها وأنا أحاول دائما الإتكاء على الذاكرة لإكتشاف العلائق الأولى حين تكون بمعزل عن الإحتواء فهناك يكمن سر الأشياء ويظل لبعض الشخصيات حضورها في قصصي لأنها تمثل لي مصدر إدهاش ونقطة ولوج إلى تأنيث العالم والمرأة اهمها على الإطلاق .

مادمنا في سيرة هذا العصر فإنه تطرق مسامعنا مسميات منها ( إن هذا زمن الشعر ، زمن الرواية ، في رأيك أي الأصناف الأدبية أقرب إلى تمثيل هذا العصر ؟

حالة الفصل بين حالات الكتابة انتجتها حالات الإجتهاد في إن تستقل حالات التعبير كل حالة على حدة فنطلق على هذا الكلام الموزون المقفى كلمة ( شعر ) ونضع سواه في خانة النثر ثم نقسم النثر إلى مقالة وقصة قصيرة ورواية وخواطر ولأن كل هذه الفنون من جنس واحد فإنها قد تلتقي وقد تختلف فهي نصوص لنص واحد فحين يتحقق حضور الذات في عمل أدبي ما فإنه يجمع بين الشعر بكل حالاته وحالات الشعر دائما هي الأقوى حتى وإن كان النص يطمح إلى تصنيف نسميه القصة القصيرة أو الرواية لكن الشعر يستلهم حالات قصيرة ويعيد انتاجها إذا فالزمن زمن القصة القصيرة لأن الإنسان بدأ يختصر رحلته نحو بلوغ النهاية السريعة بدأ يسابق عدوه الزمن ، لبلوغ اهداف وغايات كل يوم تتجدد .

ما أحب أعمالك القصصية إليك ؟

هي تلك القصة التي لم أكتبها بعد وإن كانت قصة خديجار تمثل بالنسبة لي بذرة خلق في تحول مهم لتهجي الأشياء على نحو أعمق .

من أنت ؟ في أي مدرسة تخرجت ؟    

 من أنا سؤال يؤرقني دائما ، وأحاول أن أجيب عن هذا السؤال وأنا نقطة صغرى في محيط كبير لكنني أنا وأنت وهذا وذاك خلايا مهمة في جسم هذا الوطن ومن ثم في هذا الكون العظيم ودائما حين يباغتني هذا السؤال يطالعني وجه أبي الذي يلخص تاريخ وجودي وهو لا يدري أنه أقدم على فعل خطير ، تأملي هذه الأشياء التي تبدو لنا صغيرة عابرة كم هي تتماهى في الكبر ، تاملي بدايات مخاض ولادات الأمم حين تبدأ بعلاقة بين رجل وإمرأة .

حالات مستمرة من الإصرار على الحياة وعلى الخلود قصص قصيرة أكبر من كل الروايات ، لم يستطع أحد أن يمنع أبي أو يملي عليه دوره في بناء الكون كان في أشد حالات أنانيته لكنه من حيث لا يدري اسهم في بناء صرح النحن العظيم وحين أستفاق ارادني امتداده الذي لا ينتهي وهو مايزال على نقطة التماس بين القرية والمدينة ، دائما أطالع خيباته فتوحي إلي بالكثير فهي دائما تلخص لي خيبات الأمة ، لقد ظل دليلي في قراءة المكان الذي طمسته تحولات الجغرافيا وكثيرا أحاول أن أكون هو من أجله هو لكنني اكتشف انني في بحثي عنه اعمل من أجل ذاتي هذا أنا أم هذا هو ، من أنا سؤال يظل مشرعا لأنني اجعل من نفسي مشروعا لصالح الآخر ، أنا الذي مازلت تلميذا في مدرسة أبي وامرأة أحبها !!!

بإعتبار أن كل نص قصصي هو بذرة لرواية ألا ينوي سالم العبار القاص إطلاق العنان لسالم العبار الروائي ؟

إن كل قاص يكتب رواية ، فكل قصة تمثل حالات لحالة واحدة ولزمن واحد  وإن تعددت الأزمنة والمكان واحد وإن تعددت الأمكنة اما أن تجتمع كل هذه الأزمنة والأمكنة في نفس واحد فذلك تعجيل بكتابة رواية مهما كانت طويلة تظل في باحة الحياة قصة قصيرة وأنا بصدد الإنتهاء من تسجيل حالة كهذه في عمل يحمل عنوان ( عام العطش ) .

لماذا النار دون كل الرموز تشتعل بها قصصك الأخيرة ؟

تظل النار سؤالا عصيا غنيا بالإحالات والدلالات فالنار أقرب الأشياء إلينا ... ففيها أجد دفء المشاعر والأنس من الوحدة وهي تتكلم وتفعل بصمت فيها كل الألوان للون واحد ، هي أنثى الماء هي المرأة وهي رمز حياة ولا أحد يعرف مصدر تكوينهما هذا الثنائي الحميم أجده في المرأة التي أحبها ولذا فأنا أجسد إلتحام الماء بالنار فكل منهما يخفي الآخر في داخله ، ففي إلتقاء الغيوم نار وفي الدموع نار وحين أتأمل النار تشتعل في ذاكرتي الدلالات وتحتويني تماما .

هل قصتك المعنونة ب ( كم الساعة الآن ؟ )- وهي ضمن مجموعتك القصصية خديجار – بداية انتهاجك خط جديد في عالم القصة ؟

 قصة كم الساعة الآن قصة الأزمنة والأمكنة حين تختصرها امرأة في زمن واحد من خلال أسطرة الواقع وإذا كان في تلك القصة شيء من  الغنى فهو غنى المرأة بطلة القصة هي امرأة حقيقية حاولت تأصيل جذورها جمعت النار والماء في إناء واحد وهكذا فإن من يتهجى ما يبدو لنا متناقضا لابد أن يضعك في فضاء اكتشاف يبدو جديدا و (( خيجنون )) ( في قصة كم الساعة الآن ) هي ( خديجار ) هي إكتشافات لإكتشاف واحد هي رحلة البدايات والنهايات التي بدأنا بها الحديث والذي لا أشعر أنه انتهى .

كيف أثر النقد عليك في بداياتك ؟  

كل الحياة بدايات ونهايات لبدايات وبدايات لنهايات وهذه السلسلة متواصلة وفيها اجتهادات قد تخطي وقد تصيب والكتابة فعل جماعي تستوعب كل الآراء فمن لا يميل إلى أحادية الماء والنار لابد أن ينتقدني لكن ليس من حقه أن يصادرني وقبل أن أكتشف كانت محاولاتي متسقة والمألوف العام ولا تشكل استفزازا للساكن وإن كنت في المحاولات المبكرة خلقت استفزازا شكلانيا باركه كل من : عمر الكدي ، علي الفزاني ، فرج العربي ، وفوزي البشتي ، وخليفة حسين مصطفي وعذاب الركابي ورفضه آخرون لكنني أميز بين قراءة وأخرى وبين تأويل وآخر وأستفيد من كل الآراء .

قراءة الأشياء بعمق ومحاولة القبض على اللامعلن ديدنك في النقد ، ترى لماذا يؤثر سالم العبار كلمة قراءة على كلمة نقد ؟ 

بهذا السؤال وضعت سن القلم في خاصرة حياتنا فالقراءة تعني التأمل والإكتشاف والتعمق في متن الظاهر أنها المحاولة الأنجع للولوج إلى قلب الحقيقة وهذا مطمح الانسان منذ بدء الخليقة أن يرى الأشياء على حقيقتها وأن يقف من الظاهر موقف المندهش غير المسلم بجاهزية الأشياء ، ونحن في العالم الثالث معنيون أكثر من غيرنا بأن نشعل فتيل الأسئلة لنحرر العقل والخيال من أسر طال أمده ، لقد علبت عقولنا وأحالتنا الآلة إلى تبع نسلم ونستسلم بكل ولكل شيء يأتينا معلبا بدء من الفكرة وإنتهاء بالغذاء نفرح كالأطفال أن نحرك لعبة اسمها السيارة أو الطيارة أو القاطرة لكننا لا نفكر كيف نصنعها ، ونرسل أبناءنا إلى المدارس ونقدم لهم كل شيء جاهز بما في ذلك الولاء للحكام ولماضي أجدادنا المنقى من الشوائب من دون المساس بالمناطق المحرمة ، وهكذا تتسع الهوة بين الظاهر الذي لا يمثل إلا نفسه والمخفي الذي يمثل الحياة برمتها وتبرز التلقينية المقيتة ، التلقينية في علاقتنا بالله والوطن والحكومة وببعضها البعض ومن هنا صرنا عملة مضروبة على طراز واحد صرنا نقودا وجعلنا من الجاهز مثالا نسير وفق قوانينه التي تحرم المساس!! وصار حدبنا في كل مناسبة هو البكاء فحين كان يتحدث أصحاب الواقعية الاشتراكية بكينا أبا ذر وحين تحدث السورياليون بكينا الحلاج وإبن عربي ... وهكذا لا نستفيق إلى الماضي إلا عندما يصدمنا الحاضر فصارت حياتنا كلها صدمات ومنذ جلوسنا على مقاعد الدرس كنا افعال ماض صغيرة ناقصة تفخر بالفعل الماضي الكبير في الطب والهندسة والرياضيات وفي البطولات فكبرنا أفعالا ماضية ظلت ناقصة ولا يتم الإنتقاص إلا من كل ناقص هذه هي فجيعتنا لقد حكمنا الأتراك مئات السنين وفق قوالب جاهزة وعملنا على حماية هذه القولبة وصرنا ندافع عنها بوازع حرص مغلوط عن الدين ولم نخرج عن الألواح المحفوظة قيد أنملة وكان النقد قد تشكل منذ تصور أمراء الكلاسكية له في مواد قانونية تحدد إشتراطات النص فكان ولاية على جموح الفكر وإنطلاق الخيال ومن هنا رفضت هذه التسمية لأن ليس ثمة ضفاف نهائية للعمل الإبداعي يمكن الترقف عندها والإشارة إلى أن هاهنا المنتهى والكمال ، فالنص الإبداعي مشروع مفتوح دائما على فضاءات أوسع من الرؤى والإحتمالات .

برامجك الإذاعية – مايكتبه المستمعون – الحرف الأخضر – أقلام على الطريق .... جعلت منك ولي أمر لأكثر من خمسة آلاف موهبة هذا فقط على الصعيد المحلي منذ فترة تخليت عنها رغم إعترافاتك المتكررة بأنك تعلمت الكثير من مواهبك ، استاذ سالم كيف تدافع عن نفسك أمام هذا الحشد ؟

أفعال الأمر والنهي إذا لم تسبق بأفعال الطلب والرجاء تتحول إلى أفعال سلطوية قامعة ولكي لا يختلط الأمر بالأمر احب أن أوضح بأن كلمة ولي أمر ما كانت لتأخذ بعدا من التسلط لولا إحتشاد قاموس حياتنا بالأوامر والنواهي وتحول ولي الأمر إلى سلطة في الأسرة والقبيلة والدولة فصارت هذه الكلمة تعني وجود آمر ناه يرتبط وجوده بوجود العقاب والثواب وصرنا نتحرج منها ونحن بصدد الخوض في علاقة تكافؤ أو علاقة توازن تماما مثلما نتحرج من كلمة رب حين نطلقها على الفرد فنقول هذا رب في حين أنها لا تعني إلا معنى مهذبا وراقيا وهو التربية ربما لأن في إطلاقها على الأحادية يطرق اذهاننا الرب الأكبر وهو الله ولكننا صرنا نطلقها من دون تحرج حين نقول( هذا رب الأسرة ) لأننا أكتشفنا انها أكثر شمولا وأوسع من دائرة الفردية فليس بالضرورة أن يكون رب الأسرة هو الأب بل من يقوم على تربيتها وخدمتها فكلمة ( رب ) كلمة جميلة حين ترد في سياقها ومن صفات الله أنه رب وقد وردت في الحديث في سياقها حين يقول الرسول- ص -  ( أدبني رب فأحسن تأديبي ) ولم يقل أمرني ربي فأحسن تأديبي لأن حسن الآداب واستقامتها لا تكون بالأمر ، الأمر يكون في ما يتطلب من حزم والأمر يأتي بعد إنتهاء التشكل وتكامل التكوين والبناء وهنا نقرأ قوله تعالى   ( وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا ) ولأن علاقتي بهذه الشموع التي بلغت أكثر من خمسة آلاف كوكب علاقة حب وحوار ولأنني كنت حريصا على أن يتجنبوا مظاهر الإحتواء والولاية كان ذلك الحوار من خلال ما يكتبه المستمعون لهذا كله أفضل أن أوصف بأنني من ولى خدمتهم تماما كما يتولى الأب رعاية أبنائه حتى يبلغوا أشدهم ودائما الأب لا يتمنى أن يرى رجلا أفضل منه سوى إبنه ... أقول بأنني لم أتخل عنهم إلا ليقيني بأنهم قد بلغوا أشدهم وإني أراهم أفضل من كثيرين وانهم يستطيعون خدمة ابنائهم وإذا مازال في العمر بقية وفي الحياة مساحة من عطاء فسأشاركهم هذه الرعاية .

أترى أن العلاقة وثقى بين النقد والصحافة ؟

نعم الصحافة هي وعاء النقد ، هنا أفضل كلمة نقد على كلمة قراءة ، لأن الصحافة تطالب بمسلمات ظاهرة معلنة ، مثلا يريد الناس أن يروا الشوارع نظيفة والسلع في قنوات توزيعها والخدمات متوفرة فالصحافة تشير إلى مكامن التقصير في قضية يومية معيشة ، نعم أنها العملية الحسابية 1+ 1 .

(الأشياء التي لا تؤنث لا يعول عليها ) أنت تؤمن بهذا القول ....لماذا ؟

أنت قلت  الأشياء التي لا تؤنث لا يعول عليها ... وهذ أعمق من أن نقول  ( المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه ) فالأنثى هي أصل الأشياء الأنثى هي المقدسة إنها النص الأصل الذي كتب هذا الكون، الكون  مغلق ياخديجة ومفتاحه تاء التأنيث – عفوا تاء التأثيث – فكل الأشياء تظل مجردة إن لم تؤثثها الأنوثة لأن الأنوثة هي الأم التي أنجبت الحياة وتظل ترعاها مادامت الحياة ومادامت الروح ، إن الروح التي نفخها الله فينا هي الأنثى فمن منا يقبض على سرها برغم أنها تحركنا وأسألك أليس في نفوسنا غواية تارة تدفعنا إلى الحب وتارة إلى الكره وأخرى إلى المعقول ومرة إلى العبث هذه الغواية هي وقود ممارستنا للحياة وفتيل وجودنا ، وكم هو جميل إغواء حواء لآدم لأنها الكتاب الذي تهجينا فيه ملامح سحر الأنوثة حين تجعل الرجل عظيما ويتخذ القرار ولو لم يتخذ آدم ذلك القرار هل كنا سنسمع به ، وهل كنا سنصبح من سليلي الغواية ؟ ماذا كان يمكن للرجل أن يفعل إذا لم تكن المرأة التي تتعهده من تكونه في رحمها إلى مماته .. نعم حتى مماته حتى الذين ليس في حياتهم نساء يفترضوهن افتراضا ... كل رجل يقف أمام المرآة يصفف شعره ويختار ملابسه في داخله إمرأة .. وكل إمرأة تفعل ذلك في داخلها رجل فمن يملك أن يهدم هذا الأمل الضارب في المطلق من يصادر من الرجل المرأة ومن يصادر من المرأة الرجل ؟

وأمام هذه الإستحالة من يملك أن يشق فلقتي النواة ويجني ثمرا ، إن كل الرجال في أشد حالات سطوتهم وقهرهم للمرأة إنما يتحسسون رجولتهم ولكن مهما اكتملت رجولتهم يظلون في حاجة إليها لأن من دون المرأة لا مجال للحديث عن وجود رجل ومن هنا فإن الأنوثة هي مكمن الأسئلة .

  ألا يستطيع المبدع استلهام نصوصه من رموز غير المرأة بمعنى هل وجود امرأة ملهمة ضرورة في حياة أي مبدع ؟

  المرأة أصل الحياة وسرها ودهشتها وعمقها وحيويتها وذاكرة المبدع هي المرأة ثمة كيمياء خاصة شكلت مشاعر وأحاسيس المبدع تجاه المرأة فالرجل بامتداد حياته في حاجة إلى المرأة لا كجسد ولكن كرافد عميق في رؤية الأشياء فكل الأشياء في حاجة لأن يلحقها تاء التأنيث لتكتسب عمقها وحرارتها  وهنا قد يدخل هذا السؤال في اشتباك مع هذا المفهوم الذي يمس صميم معرفيته إذا ما أشرنا إلى أن إذا كان المبدع في حاجة إلى امرأة فبمفهوم المخالفة فإن المرأة المبدعة في حاجة إلى رجل ولا يلغي هذا الاشتباك سوى الاشتباك أي حلول الرجل في المرأة والمرأة في الرجل فنحن نقول بحاجة هذا إلى  ذاك لأننا أقمنا حاجزاً ظاهراً بين ذات واحدة بين نصف ونصف يكمل إحداهما الآخر وهذا الوضع ظاهر يشهر نفسه باستمرار في حين أن الأصل في الآية الكريمة يقول : (وجعلنا لكم من أنفسكم أزواجاً )  ولأن الرجال قوالون أي يتكلمون كثيراً نتيجة اكتسابهم المقدرة على الإفصاح والتعبير على خلاف المرأة إذ فرض عليها أن تتلقى الأوامر وتنفذ فإن مسألة حاجة الرجل إلى المرأة يجهر بها الرجل علانية ولكن إذا كانت المسألة بخلاف فإننا سنسمع عن حاجة المرأة المبدعة إلى رجل تثار علانية فالحاجة دائماً عن النصف الغائب الذي يظل في حالة استدعاء مستمرة فالرجال يعترفون بأن وراء كل رجل عظيم امرأة وأنا أقول وراء كل رجل امرأة سواء كان عظيماً أو غير عظيم فالعظيم هو من استطاع أن يتلاءم مع ذاته وسواه الشقي ، وما نقولـه هنا  يمس طرفي الحياة الرجل والمرأة وبالتكافؤ فالحياة جانبان في مادي ومعنوي مادة وروح والرجل هو مادة الحياة والمرأة هي روحها أي ثمة جسد وروح لنفس واحدة وهذا البحث الأزلي المشرع على الأبد هو سر الإلهام فالإنسان في الحياة يشقى من أجل الكمال .

   تصر صديقتي على أن لفظة (امرأة ) أكثر تميزاً من (أنثى) لأن الأخيرة تشمل مخلوقات عديدة ما رأيك وماذا تقول حول  التوتر الأزلي في العلاقة بين الرجل والمرأة ؟

  كل ما للمرأة عميق بالنسبة للرجل ولولا تميز المرأة بأنوثة خاصة ما كان للرجل أن يشكو الشقاء الأزلي في سبيلها ، كل ما في المرأة عميق فاسمها أقرأه تارة .. مرآة وتارة مرأى وتارة أخرى يحوي الحرف الأول من اسم نصفها الثاني الرجل أم رجل وأنوثة المرأة هي الروح الأسمى وإذا نظرنا إليها كلذة حسية فقط فإننا نسيء إليها كثيراً بل قبل ذلك نسيء إلى أنفسنا ونضعها في مراتبية الحيوان الأخرس ذلك لأننا نستنهض حيوانيتنا الخرساء ونلغي العقل لكن حين نتحسس في أنوثة المرأة تلك الروح التي تحيلنا  إلى تلقائية وعفوية طفولتنا فإننا نستعيد علاقتنا بالنهد والرائحة التي لا يمكن أن توفرها أنثى غير المرأة والواقع أننا لا نطلبها كشيء كمالي بل كشيء أساسي حاسم فلا توازن في حياة الرجل بلا أنوثة ولا توازن في حياة امرأة بلا رجل ، ومن يطلب أنوثة المرأة لحاجة عابرة هو من يتعامل مع الأشياء من منطلق إشباع أشياء  بيولوجية لا يعي تفسيرها وهذا هو سر التوتر في العلاقة  بين الرجل والمرأة فالرجل يجردها من كل شيء ولا ينظر إليها إلا كعضو تناسلي ولا يعترف لها بحق من حقوقها إلا إذا كانت أمه أو أخته في حين أن شريكة الحياة أهم كثيراً حين تكون أماً وأختاً وزوجة  وحين يكون شريك الحياة أخاً وأباً وزوجاً ومن هنا يجد الرجل في المرأة أنوثة الأم وأنوثة الأخت وأنوثة الزوجة ويجمع بين اللذتين العقلية والحسية وحتى يتحقق ذلك من حق صديقتك أن ترفض هذا التجريد ممن يسيئون  إلى لفظ الأنثى العميق .

  المبدع سالم العبار .. ماذا يعني لك الابتكار خاصة في مجالك القصصي ؟

الابتكار يعني الإبداع .. والإبداع هو الخلق على غير مثال وهنا مكمن الصعوبة وإحساس الكاتب بالمسؤولية تجاه ما يكتبه فأمام حشد الكتب التي تقذف بها المطابع يومياً في كل مجالات الأدب أنت مطالب بأن تقول جديداً ليس على مستوى الذات بل على مستوى محيطك الذي تنتمي إليه ومن هنا فأنا اقرأ المكان جيداً وأتقصى مكامن الإثارة فيه لأن المكان ليس جغرافيا جامدة إنما هو تكوين لأمزجة وسلوك ومواقف وهذا المفصل المهم في بنية النص يتحدى دائماً هوية النص العربي لأن المكان المتمدين لدينا مازال طارئاً وتّكون على حين بغتة على نحو فجائي أي لم يتبلور من خلال تراكمات من علائق اجتماعية واقتصادية بل نتيجة طفرة نفطية زجت بنا على  الساحل فدخلنا المدن بعقلية البداوة ونقطة التماس هذه أقف عندها كثيراً لأن الذاكرة هناك والمستقبل هنا ، البحر من أمامي والصحراء من ورائي فهذا مكاني إذن وهذه شخوصي ويظل الابتكار رهين القراءة المتعمقة للظاهر وأتهجى اللغة التي لا تخون المكان أي التي يشكل المكان خامتها ، وأحاول أن أقبض جيداً على لغة الصمت لأنها السبيل إلى استبطان المواقف .

أنت تكتب قصصاً متوهجة صاخبة تثير الجدل والنقاش ، هل تعتقد أن الكتاب الذي لا يثير أسئلة وجدلاً ليس بكتاب ذي قيمة ؟

الجدل والنقاش الذي يعقب صدور أي كتاب مازال محدوداً في الجلسات الخاصة وفي المهرجانات وهي محدودة بطبيعتها لكن هناك نسباً من الاهتمام بين كتاب وآخر والأسئلة التي أثيرت عن قصصي عبّر عنها بعض النقاد أذكر منهم فوزي البشتي وعبد الرسول العريبي وخليفة حسين مصطفى وعذاب الركابي وعمر الكدى وأحمد إبراهيم الفقيه وعلى المستوى الخارجي ترجمة بعض القصص بالصحف الكردية واعتبروها شيئاً جديداً وأنا بطبيعتي لا أسعى لتقديم نفسي وأتمنى دائماً أن تقدمني قصصي ولدي رسالة من جامعة وترلو وصلتني بعد سنة من إرسالها ولم أتمكن من الرد عليها وقد مضى على إرسالها الآن خمس سنوات ويطلب مرسلها شيئاً من كتاباتي لكن مشاغل الحياة حالت دون الرد على تلك الرسالة ومن هنا اعتقد أن ثمة أسئلة تثيرها كتاباتي أي أنها ليست نمطية وأي كتاب يحقق هذا التجاوز اعتبره رسمياً .

  مما يعاني المشهد الثقافي في بلادنا وهل لذلك علاقة بسلحفاوية النشر عندنا وهل يؤثر ذلك على التواصل الثقافي بيننا وبقية الدول العربية ؟.

  المشهد الثقافي لدينا يعاني مشكلة أساسية وهي مشكلة النشر خصوصاً فيما يخص الكتاب الإبداعي حتى يمكن القول أنه خلال كل ثلاث سنوات  يصد كتاب واحد وبذلك تنعدم المتابعة النقدية إذا أضفنا غياب المجلات الثقافية أو عدم انتظام صدورها  .

  كيف تقرأ واقعنا القصصي الآن  ؟

واقعنا القصصي بخير لدينا أسماء مهمة جداً والواقع القصصي يشهد دائماً أسماء جديدة مهمة .

 كثيراً ما نسمع عن ما يسمى بالأدب النسوي ما رأيك هذه القضية ومنذ متى بدأت في الظهور ؟.

  في الحقيقة أن الإبداع لا يتجزأ لأنه صادر عن نفس إنسانية واحدة في الخلقة وفي الإحساس والمشاعر والتفريق بين الأدب الذي يكتبه الرجال والأدب الذي تكتبه النساء أنتجه التفريق في الحقوق بين الرجل والمرأة وتلك النظرة إلى المرأة على أنها مشهد حسي خليع يثير الفضيحة ولابد أن تحجب عن كل رجل غير محرم ومن هنا فصلت بيوتنا القديمة بحاجز من الرجال والنساء ولم يتح للمرأة أن تتكلم إلا من وراء حجاب وهذا الحجاب انتقل إلى الأدب فصارت المرأة تكتب عن قضاياها باسم مستعار وهو (ليلى سلمان) فتلك الكتابات التي تخصصت في قضايا المرأة أطلق عليها الأدب النسوي وظلت التسمية إلى الآن تطلق على كل ما تكتبه النساء وأنا لا أوافق على هذه التسمية .

 

back