لقاص الليبي سالم العبار: يظل المكان القلق هو الإشكالية الجوهرية التي تواجه أي مبدع في بلادنا
النصوص التي لاتتخذ من النفس أمكنة تسقط في الثرثرة مسكوناً بالوجع لامكنه لم تحافظ علي عهود الصداقه ، يحمل سؤال الأبداع لذلك كانت محاولة الأقتراب من فضاءاته ليس بالأمر اليسير كان لابد من قراءة مجموعاته القصصية وإذ بها تتحول إلي قوة ضاغطة للمغامرة الصحفية.
في التجليات كما في المنشورات ، خديجار تتشكل الحياة بتفاصيلها غير المرئية، المرأة عند العبار عالم قائم بذاته ، ملئ بالدهشة والخلق.
حاورته خلود الفلاح
لماذا الكتابة ؟
- من يلقي هذا السؤال كمن يسألك لماذا تتنفس ، لماذا تأكل ، لماذا تشرب ، لماذا تغني ، لماذا ترقص ، لماذا تفرح ، لماذا تحزن ، لماذا تعيش.
- المكـان القلـق :
الأمكنة ، الأزمنة ، الشحوض. لها أرتباط كبير بحياتنا إلي أي مدى أثرت تلك الأشياء في أعمالك القصصية ؟
- اعتقد أن صعوبة كبيرة اصفها بأنها اشكالية جوهرية تواجه أي مبدع في بلادنا ، يحاول أن يخلص لهوية نصه وينحاز لها وهي مشكلة المكان القلق في الوطن العربي فالمدن لدينا مازالت تشكل امكنة وأزمنة تتغير وتتبدل بين لحظة وأخري ماجعل التراكم المعرفي الذي تختزنه الذاكرة غير منتج ، لذلك فإننا نلجأ إلي الذاكرة كمرجعية تختزن تاريخاً طويلاً وهي بالتالي أزمنة وأمكنة تفرض شخوصها التي تتحسس علاقة بشخوص واحدة لمكان واحد ، إنني أشعر بهذه الأزدوجية إذ دائماً ثمة ذاكرة تحاور راهناً ؟ من هنا أجد في شخصية أبي تاريخاً وأزمنة وأمكنة أترجمها بذاكرة طفل.
- إدهـاش كبيـر:
في خديجار مجموعتك القصصية الأخيرة حاولت أن تستنطق امرأة من (( نار )) إلهذا الحد يغريك عالم المرأة إلي مغامرة الاكتشاف؟
- الأنثي أصل الأشياء بدء من الأرض والبذرة والأم والثمرة فهي الأصل والحسم والفعل المؤثر المجهول أو المستتر غير الظاهر وهذه المواربة التي تجعلها عصية عن الفهم هو سر عمقها وسؤال الإبداع دائماً سؤال مستمر مفتوح علي فضاء شاسع في الايحاد والايماء والتأويل والأكتشاف ، فمن يملك أن يغير النار وألوانها العجيبة وماتختزنه من إدهاش كبير فهي مع المرأة علي مستوي واحد من التأثير ، لاأحد يستطيع أن يطرد المرأة من ذاكرته أو وجدانه ويدعي بأن بأمكانه أكتشاف العالم.
- كيمياء النص :
هل شخصية سالم العبار تمارس هطولها السري داخل الذات عندما تكون في حالة إبداع نص ؟
- الهادئون الصامتون ثرثارون جداً ، فالصمت كلام وحديث الصمت حديث مع النفس وللنفس اتساع بمساحة الكون ومن هنا فإن النصوص التي لاتتخذ من النفس أمكنة تسقط في الثرثرة غير المنتجة ، أن عالم النفس البشرية حقم متلاطم من أحداث وذكريات وأزمنة وأمكنة وقراءتها تحتاج إلي تأجيل الظاهر بكل تفاصيلة الإعتيادية أو بالاحري عدم التماهي فيه فهو مجرد دافع خارجي يحرك ماأكتنزته النفس من مخزون هو مايشكل كيمياء النص وهذا الهطول السري فعل مستمر يختار المكان والزمان بل يفرضه وليس في استطاعتي الأختيار .
أختراق المحظور:
صدر لك عام 82 (( تجليات مهرة عربية )) وعام 87 (( منشورات ضد الدولة )) وأخيراً خديجار الأحتفاء الذي شهدته هذه المجموعة هل يمكن أرجاعه إلي مرحلة نضج أكبر ؟
- أعتقد أن وراء هذا الأحتفاء حالة صدق مع الأمكنة والأزمنة وجرأة في اختراق المحظور وإعلان الهوية ، فالنص الليبي مثل النص العربي عموماً يواجهه سؤال الهوية وإذا لم يستطيع المبدع أن يجيب عن السؤال الأزلي سؤال الذات للذات (( من أنا )) لايستطيع أن يقول من نحن ؟
مـوروث:
أدب الاظافر الطويلة وخاصة في مجال القصة بداية من زعيمة الباروني ومروراً بشريفة القيادي ولطفية القبائلي ، مرضية النعاس وأخريات، المشهد القصصي النسائي في بلادنا، ماذا ينقصه اليوم ليحتل فسحة الزمان والمكان؟
- أنا ضد تقسيم الأدب بين أدب نسائي وآخر رجالي وهو تقسيم علي نسق تقسيم شارع وساد في الأدب العربي بين أدب مقاومة وأدب حرب وأدب ملتزم وآخر مخل بالألتزام فالشعور الأنساني واحد ، لكن مجاراة مني لنسق هذا السؤال أقول بأن الأصوات الأدبية في بلادنا قل أن يوجد نظيرها في أي مكان ، لكن الموروث من عادات وتقاليد يقف ضد طموح المرأة حيث يكبلها الرجل بأن تظل خادمة في بيته والايعلو صوتها علي صوته هذا ماينقص هذه الأقلام.
- عـام العطش :
روايتك الجديدة . حدثنا عن أجوائها الإبداعية؟
- عام العطش لاتعرفه إلا فئة بسيطة من مواطنينا يعود تاريخه إلي أواخر الخمسينات في ذلك العام – كانت والدتي وعشت علي لبن الناقة والتمر – بعد ذلك العام مباشرة جاءت فصول الشتاء والربيع ثم اجدبت الأرض وجف الزرع وشهدت السنوات التي تلتها خصوصاً بعد أكتشاف النفط تدفق سكان الريف علي المدينة وفي حقم هذه التحويلات عاش والدي تجربة مريرة وحاولت أن اتهجاها من خلال هذه الرواية التي لم تكتمل بعد.
- هاجسـي :
عبر أسطرة الواقع ... هل تحاول نصوصك الأدبية التركيز علي اليومي وصولاً إلي حقيقة أنت تنشدها؟
- اليومي والعابر والهامشي كثيراً مايكون هو الحقيقي الذي يغيب عنا في زحام الأشياء ومهمة القبض عليه واستنطاقه مهمة عسيرة وهي لابد أن تكون كذلك لانها شروع لدخول لحظة الكتابة ، لذلك فإن اليومي هاجسي لاستنطاق الحقيقة.
- بقعـة جغرافيـة :
هناك العديد من المواهب الأدبية خرجت من تحت عباءة سالم العبار عبر الحرف الأخضر ، أقلام علي الطريق ، مايكتبه المستمعون . هذه البرامج هل ثمة المزيد منها؟
- علاقتي بالمواهب الأدبية علاقة وإن بدأت من خلال الأذاعة إلا أنها مازالت مستمرة من خلال صحيفة أخبار بنغازي ولكي لاتكون العلاقة محدودة ببقعة جغرافية تحددها طبيعة الصحيفة فقد تتجدد هذه العلاقة من خلال الأذاعة فقط أبحث عن الوقت الذي يجعل هذه العلاقة تستمر.
- غيــاب:
في أحد إعداد مجلة (الشاهد) هناك قراءة لمجموعة خديجار ولكن الذي أود الأشارة إليه هو أن (الناقدة) ظلت تلح علي سؤال واحد، وهو لكي تكون العملية النقدية متكاملة لابد من التعرف علي جميع اصدارات المبدع والتي بالطبع لم تكن متوفرة لديها ، إلي ماترجع هذا التباعد الثقافي؟
- الناقدة الجزائرية التي تناولت المجموعة القصصية (( خديجار )) قدمت دراسة عميقة ودقيقة وكأنها عاشت معي لحظات ولادة كل قصة من قصص هذه المجموعة وقراءة مجموعة قصصية واحدة لاشك أنها تقدم فكرة لابأس بها عن كاتبها ، أما هذا التباعد الثقافي فمرجعه عدم التعريف بالكتاب الليبيون لايطرحون أنفسهم علي الآخر فكبرياؤهم أكبر من ذلك ثم تقصير آخر سببه عدم توزيع الكتاب الليبي علي نطاق واسع وغياب الأنشطة الثقافية.
- امتحان:
المرأة بصرف النظر عن صفتها أم ، أخت ، زوجة ، حبيبة ... ملهمة المبدعين ، من هي المرأة التي استطاعت أن تطلق العنان لعوالم سالم العبار الإبداعية؟
- المرأة الأكثر إحراجاً للسائد والتابت التي تجيد قراءة فوضاي وتمتحن وجداني في كل لحظة ، المرأة التي يمكنها أن تكون خديجار.