كم الساعة الآن ؟
لم يكن شيئا
لافتاً للإهتمام وقوف امرأة تحت المطر أو لفح الشمس في يــوم
صائف ، أو أن ترتدي معطفا أسود ، وتختار لشعرها طولا ينتهي عند
شــحمة الأذن ، امرأة تصارع الريح والشمس والمطر في سبيل أن
تقف هناك في محطة حافلات (( البركة )) ولا يعني شيئا مهما أن
تشير ساعة الميــدان إلى الثانية عشرة منتصف النهار ، لم يكن
كل ذلك ليعني شيئا لو لم يعرف الناس فيما بـعد أنه بداية لزمن
صنعته امرأة ، أنها (( خيجنون )) آلهة الحب الليبية التي
أسست مدينة .
كاد الأمر أن
يكون مجرد أسطورة ، لو لــم يكن لـذاك الزي الـذي ترتـديه(خيجنون ) فرادته الغريبة ، ولولا ذلك الحديث الصامت الذي تبوح به اطلال المحطة القديمة ، وما كان لألوان النار هذا الفيض
الروحاني الذي يغـمر قلوبنا كلما رأيناها .
في تمام
الساعة الثانية عشرة ، ينتصف النهار ويتعانق عقربا الساعة تقف
في محطة (( البركة )) القديمة امرأة طويلة القامة لشعرها قصـر
جميـل مكتنزة الجسد ، نافرة النهدين ، بشرتها مزيج عجيب لا
لـون له سوى ألوان النار ... كان لها دفء حقيقي حتى وهي تقف
تحت المطر المنهمر ، يحسها الـــرائي تشتعل ، وفي أيام الصيف
في ذات المكان والتوقيت تحت لهيب الشمس تنتظر ، توزع ابتسامتها
الجميلة فنظن حينها أن البحر قد تنفس .
امرأة خليط من
ماء ونار وغيوم وشمس ، ربما لأنها تأتي مـن جهة الــبحر وتتجه
ناحية الجنوب هكذا ظننا ومازلنا نظن أن البحر يتنفس ، ولكننا
نعرف أن (خيجنون) حقيقة .
حاولنا أن
نعرف من أين تخرج وإلـى أين تمضي لكننا لــم نفلح ففي الشمال
تختفي قرب البحر تــراها في وقفتها تلك بالمحطة القديمة ، نظرة
واحدة إليها تأسرك دائما .
كانت المحطة
خالية مهجورة وصارت الآن تضج بالناس لمشاهدة امرأة تتـبخر ساعة
استفحال اللذة في أجساد الرجال ، فلا يمـلكون سوى أن، يقفوا
فاغـري الأفواه ينظرون أو يتبعونها حين تأتي من جهة الشمال حتى
محطــتها الأخيرة حينها يعمل الجميع من أجل المدينة ، رجل
المرور ينظم حركة السـير ، وترتفع أصوات الباعة تعلن عن معاطف
صوفية سود وعن صبغة شعـر جديدة أنتـجت حديثا مـن عناصر تنتج
لونا يشبـه لون شعر ((خيجنون)) ويعـلنون عــن مساحيق تجميل
جديدة وتعلق ( صالونات ) الحلاقة على أبوابها الزجاجية صورة
امرأة المدينة ويعالج كل رجل مظهره ، ويزدحم رصيف واحـد هو
المؤدي من الشمال الى الجنوب في طوابير مرتبة جميلة ، وتضم كل
امرأة ذراع زوجها في حنق لا يخلو من إعجاب ممزوج بالغيرة .
ظهرت في
الأسواق أغان جديدة وقدسَ الناس الورد والماء والنار واحــتلت
صورتها أغلفة المجلات والصحف ، وأجمعت الآراء على أنها مجرد
ساحرة أو شبح امرأة ، وتعددت الأساطير عن البحر والشمال
والجنوب ، ظـهرت حكاية عروس البحر ، والفتاة التي تعلقت روحها
بالمدينة .
اختفت المرأة
لكن الناس اختاروا لها اسما وقدسوا المحطة الأخيرة ، ظلت فيهم
حلما ينهض كلما حان وقت الظهيرة .
لم يكن ليعني
شيئا أن يقذف عالم الأموات شبح امرأة وقت الظهيرة ، لـكن أن
تبدل الناس وتظل سرا عسيرا ذلك يعني الشيء الكثير , اختفت
المرأة لم يعرفوا لها اسما ولا عنوانا سوى أنها امرأة تعلق
قلبها بالمدينة وكادت الحــكاية أن تتحول الى أسطورة لو لم
تكشف الحفريات في المحطة القديمة قطـعة نقود على أحد وجهيها
صورة امرأة المدينة كتب تحتها (( خيجنون )) وعلى الـوجه الآخر
صورة رجل لم تعرفه المدينة ووجدوا نقوشا وكتابات تروي قصــة حب
قديمة فتدافعت النسوة ليشاهدن صورة الرجل وتدافع الــرجال
لرؤية (( خيجنون )) امرأة المدينة وهي منقوشة على قطعة نقود
قديمة فأقَروها ولم يصدقوها وهي تقف هناك في المحطة القديمة ،
ومازالت الحفريات تتجه من البركة الى شمال المدينة لتقبض على
قصة حب طويلة ومازالت المدينة تكتشف سكانها الأصليين.