الكاتب والناقد سالم العبار : الإيديولوجيا أفقدت الأدب انتماءه  

الكاتب والناقد الليبي سالم العبار، يحاول أن يخترق المألوف والسائد إلى ما هو قادم ... كأنه يبحث عن الجذور ، في الحرية وفي المستقبل .

عندما ابتدأ سالم العبار في نشر قصصه القصيرة كان يبشر بولادة مبدع ، وبعدما نشر كتابه البحثي عن   ( التراث الشعبي ) وفيه إقرار بضرورة العودة للتراث ، الخيمة والنخلة ، بعث فينا الحنين إلى روح البداوة .. دراسته التحليلية الاجتماعية عن (( البطل الإيجابي في القصة القصيرة في ليبيا )) نبهتنا إلى اتجاهاته ، خطوطه العريضة التي يصمم على السير فيها ومعه كان هذا الحوار .

- الإبداع ، الابتكار ، التألق ، ما هي إيحاءات تلك المصطلحات للمثقف ؟

الإبداع هو تجاوز المنجز أو السائد تصوراً وقيمة فهو إذا خروج عن المألوف ، وتحققه طموح إلى صيرورة ، لا تلقي بالاً  للتلاؤم مع الراهن أو مصالحته فهي تخضعه ولا تخضع إليه ، إنها حالة خلق ، ولأنها كذلك فقد وصف الله بها نفسه (( الله بديع السموات والأرض )) صدق الله العظيم.

إن لفظة الإبداع في لفظتها ومفهومها تتضمن معنى الفعل ، لذلك فقد كان اصطدامها بالتفكير المؤسساتي حتميا ، لأنها تخرج عن السياق المرسوم الذي يملي شروطا وإرشادات يعتبر الخروج عليها عصيانا .

ومن هنا ارتبطت كلمة إبداع بالبدعة ، ولفظة البدعة في حد ذاتها تثير في ذهن المواطن العربي شيئا من الخوف والرهبة والاشمئزاز ومن ثم الرفض القاطع ، ومرد هذا الشعور ترسبات ثقافية رسخت لها المؤسسة فأصيبت اللفظة بالإحالة اللفظية وفق تصور معرفي تلصقه السلطة بالمبدع فيتحول وفق التعريف اللاهوتي إلى زنديق ، وإلى رجعي وفق التصور الإيديولوجي وإلى مجنون في المجتمعات التي تتمتع بهامش من الديمقراطية .

وذاكرة تاريخ الأدب العربي مازالت تتسع لأسماء شعراء كثر وصفوا بالزندقة وهنا نقف على ما تمخضت عنه الكلمة من معان متولدة عن الكلمة الأصل – الزندقة ، الرجعية ، الجنون – ونستبصر أن الإبداع لا يتفق والراهن فأخضع إلى استنتاجات المؤسسة التي صبغت عليه مفاهيم منفرة ، صنفته في خانة الضد والكلمة التي تتطور في لفظها إلى الأجمل فتكتب عشرات المرادفات هي كلمة على درجة من الأهمية .

ولأن كلمة إبداع واحدة من هذه الكلمات ذات الدلالة العميقة فلك أن ترسم منحنى لتتبع مدى تدني تسميتها ومثيلها الكلمات التي لا تعقد هدنة مع الجاهز .

إن الإبداع يعيد النظر في الأشياء ولا يقبلها على علاتها ويجاوز بين الكلمة والسلوك فيهدم السائد اجتماعيا ويطلق عنان الخيال ويحرر الذات من أسر المفاهيم القبلية وهذا ما يجعل الكتابة الإبداعية على درجة قصوى من الاستنفار المستمر فتمت القطيعة على المستويات كافة بما في ذلك المتلقي الذي صار يواجه استفزازا يقوض ذائقته التي أسسته على نحو كسول .

فصار في حاجة إلى فترة ليست بالقصيرة ليتحرر من أسر المؤسسة التي سلبته الوعي بكل شيء بما في ذلك الوعي الجمالي فقتلت فيه التألق وروح العطاء .

وهذا التوجه إلى الإنسان ينفي عن الحداثة التسميات التي وصفتها بالعمالة للاستعمار تحت شعار من ليس معنا فهو ضدنا ومن ضدنا فهو ضد الإنسان .

الابتكار والإبداع

الابتكار وإن كان للوهلة الأولى يقودنا إلى ذات الدلالة التي تعنيها كلمة إبداع إلا أنه يقوم على وجود ظروف ممهدة يعاد تشكيلها لتشكل مادة جيدة وهو أقرب للتسميات العلمية منه إلى الإبداع الكتابي الذي لا يؤمن بالنتائج المسبقة ويحاول إعادة النظر في المطروح .

- كيف ينتقل الإبداع الذاتي إلى تألق اجتماعي ؟

لا يمكن لنا أن نفصل الذاتي عن الموضوعي حتى في أسوأ إحتمالاته .. الذات مستودع لأسئلة مدهشة صادرت الايديولوجيا فضاءاتها ، وصارت لحظة الصدق الحقيقية هي تلك التي يخلو فيها الإنسان مع ذاته ويحاورها في متطلباتها في السياسة والدين والجنس ، الثالوث الذي حرم الخوض فيه أوالبوح به .

تنتقل هذه الأسئلة من حالة السر إلى الجهر ، من حالة الحلم إلى التحقق ، تكتسب الكلمة صدقها وتسهم في تغيير المجتمع ، فقضايا الذات جزء من قضايا الجموع ذلك إن الواقع واحد وكل قضية مهما صغر شأنها لا تنفصل عن أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

- كيف ننقل منطقية العلوم التجريبية الدقيقة إلى محاكمات عقلية ذاتية تضبط سلوك الإنسان وتعمل على اتزانه مع الإنسان والطبيعة كحماية البيئة مثلا ؟

العلوم التجريبية تثري الإبداع الأدبي في كشفها للنفس البشرية ، وكلما أقترب الأدب من المنجز العلمي في هذا المجال أرتفعت دلالته .

مجلة الموقف العربي أكتوبر 1989م العدد 391

back