مقالات في التراث الشعبي

 

(( ما وجدته في بعض الجوانب من تراثنا الشعبي الزاخر ، كان يفوق التعبير ، فقد وجدت شعباً عربياً اسلامياً حتى النخاع ، يقدس الحرية ، ويموت في سبيل الكرامة والشرف .... )) .

جزء من أول القطرات للشاب الذي رمى بهذا المخطوط إلى المجهول لتشرق شمسه من حيث لم يتوقع .. مهدى هذا الكتاب إلى روح شيخ الشهداء عمر المختار ورفاقه الأبرار .

يقع الكتاب في 195 صفحة وهو من منشورات المنشأة العامة للنشر والتوزيع والاعلان-  سنة 1982م ، ويحتوي على أحد عشر فصلاً .

 

* سدينة .. كفاية .. مطاري ..  رجعة .. مرزوقة .. سعيدة .. هنية .. فتح الله .. راف الله .. جاد الله .. جاد المولى .. جاب الله .. رزق الله .. عطية الله .. فضل الله .

  وأحياناً (المشرى ) بفتح الميم .

ماذا تعني هذه الأسماء وما هو  مغزاها الاجتماعي ، وما الفارق بينها ولماذا ؟؟.

  الأسماء الأولى الإناث ، والثانية ذكور ، بقي أن نعرف شيئاً عن الأسرة ..

  الأول : له من البنات خمس ، ولا شيء  من الذكور وزوجته الآن على وشك الإنجاب مرة أخرى ، تناهت إلى أسماعنا زغرودة واحدة ، هدأ بعدها كل شيء ، سمعنا كلمات التهنئة ، أكثر المهنئين رددن (الحمد لله اللي سلمتي وخلاص ) ..   ( ولد الحلال هو اللي تسلم بيه أمه ) ، تردد ذلك كثيراً ، ولكن ثمة صمت رهيب ومعان كبيرة ترتسم على الوجوه ، كان التعبير معكوساً في الداخل .

  أنفض الاحتفال بالمولود الجديد سألناه عن اسمه لكي نعرف بطريقة ذكية حذرة جنس المولود من خلال معرفتنا لاسمه فللأسماء عندنا دلالاتها عرفنا الاسم أنه (سدينة ) قبل أن يقرر الوالد وضع الاسم ، لم يدر بخلده البتة أي اسم متفائل ، بل تردد في الترشيح بين كفاية ومطاري وسدينة ، أخيراً .. استقر على تسمية ابنته ( بسدينة) إذن ما معنى سدينة في اللهجة الليبية ؟.. المعنى يعرفه كل ليبي ، أنه بالفصيح (يكفينا) ، ولكن هل عمنا (مجيحيد) لم يعد يرغب في الإنجاب ؟..

  بعد عامين تقريباً عاشها العم (مجيحيد) وزوجته على مضض سمعنا زغرودة في بيته ، وتبعتها ثانية ، وثالثة ، النسوة هذه المرة لم يقلن (ولد الحلال هو اللي تسلم بيه أمه) بل كانت عبارة التهنئة (مبروك عليك أشويشنك الجديد ) خوفاً من العين ، ولكن أليس (للشوشان) قيمة ؟.. ولماذا هذه النظرة للرجل الأسود ؟ أنها بلا شك من مخلفات العصر الجاهلي .

  ثم أنه ليس شوشاناً بل (شويشين) بالتصغير ، لزيادة الحذر من العين ، ولكن بأي عين ستصيب المولود غير عيون المهنئات ، ولماذا لم تقال هذه العبارة عند الاحتفاء بميلاد (سدينة) ؟؟..

  على العموم لقد كانت فرحة (مجيحيد) وزوجته لا تعادلها فرحة ، بقي شيء واحد وهو اسم المولود ، اسمه (راف الله ) لقد تبارك بالاسم إذن هو لم يقرر الابتعاد عن الإنجاب وقد احتار بين الأسماء أيها يختار راف الله .. رزق الله .. عطية الله أخيراً قرر أن يكون (راف الله) هو اسم ابنه الوحيد ، وبعد (راف الله) عرف الذكور طريقهم إلى بيت (مجيحيد) وغطوا جميع الأسماء التشريفية وبعد ذلك انجبت زوجته بنتاً فكان اسمها (رجعة) ثم ولداً ثم بنتاً فسماهما (مقبولة) .

 لحظة .. لقد حدث تدرج غريب في تسميات أبناء وبنات (مجيحيد) .. وتابعوا معي سمى البنت سدينة ، وعندما انجب ولداً سماه (راف الله) ثم بنتاً فسماها (رجعة) أي عودة إلى إنجاب البنات ، وهذه مشكلة في نظره ، لكن عندما أعقب البنت ولد ثم بنت أخرى اسماها (مقبولة) أي مرغوب فيها ، ولكن لماذا مقبولة الآن ؟..

الجواب بالطبع أنه رضى وقبل بالبنات ، وبعد أن حصل على عدد لا بأس به من الذكور .

  أنه لتفاوت غريب بين الذكر والأنثى ، أنها نظرة سوداوية من مخلفات العصر الجاهلي ، انظر إلى تفضيل الرجل على المرأة ، بداية من الاحتفاءات .. ومروراً بالاسم والمعاملة وانتهاءً بالموت .

  أنه لمن النادر جداً أن نجد اسم  رجل يدل على الضيق والتبرم ، والأسماء المذكرة تشهد على ذلك ، على تلك المكانة التي يحتلها الرجال ، ليس هذا فحسب ، بل وأحياناً نجد أسماء مثل (المشرى) وهذا الاسم جاء من عادة قديمة كانت موجودة بالمجتمع الليبي ، وفحواها أن الذي لا يعيش أبناؤه الذكور فمبجرد أن تضع زوجته ذكراً وتظهر عليه علامات المرض تحمله الجدة ، أم الوالد عادة وتطوف به البيوت هاتفة (من يشري .. من يشري ) فتشتريه إحدى العجائز ، والتي لها من الأولاد الذكور عدد كبير تشتريه بثمن رمزي ، ثم يطلقون على الطفل اسم (المشرى) .. وهذه العادة يعتقدون أنها تبقى ابنهم على قيد الحياة ، بأن تجنبه الموت وهذه العادة توضح لنا مدى حرص الأسرة على أبنائها الذكور ، وحبها لهم ولو أطلعنا على الأمثال والقصائد ، والحكايات الشعبية لوجدنا وضوح الفارق وعلى سبيل الاستدلال ، أسوق هذا المثل الذي يقول (حلاوة الذرية وليدين وبنية ) .

  بقت أسماء أخرى يجدر بنا التعرض لها ، مثل الشخصية التي تعمدت اختيار اسمها بـ (مجيحيد) ونحن نعرف معنى كلمة (مجيحيد) على أنها تصغير لكلمة (مجحود) ، أي بمعنى لا ينبغي البوح به ، إن صح هذا التعبير أو اقترب من ذلك ، وهنا تبرز أمامنا نقطة جديرة بالاهتمام ، وهي ما دام (مجيحيد) ذكراً فلماذا التكتم عليه وعدم التعبير على الفرحة والتفاؤل ، ولكن لو استقصينا السبب لوجدناه لا يخرج من مؤثرين اثنين يؤثران في سلوك الليبي ، وأولهما (الحلم أو المنام ) فمن الأسماء التي تشابه هذا الاسم ، جاء اختيارها تنفيذاً لأمر صادر من أحد الأولياء وأمروا به أحد الوالدين ، في المنام طبعاً لأن هؤلاء الأولياء من الأموات هذا مؤثر والمؤثر الثاني هو (الوراثة ) وراثة الاسم فقد يأتي مثل هذه الأسماء موروثاً عن جد قديم يتصف بفضائل وأخلاق يحبذها المجتمع الليبي ، كالشجاعة والكرم والشهامة والأخلاق والجد بالطبع أما أن يكون قد ورث الاسم ، هو الآخر عن جده أو عمه أو أحد أقاربه أو أن يكون هو أيضاً مسمى  بأمر من أحد الأولياء في المنام الذي هو انعكاس نفساني لخلجات نفوسهم ، التي تعبر في منامهم عن إرهاصات نفسانية يلعب فيها المجتمع الدور الكبير قبل الفرد ذاته وأفكاره ومعتقداته ، فنفوسهم بالطبع تياهة إلى حب الذكور فتجدهم حتى في أحلامهم يصغرون الاسم ، أو يدللونه ، والتصغير في اللهجة الليبية يأتي أحياناً للدلالة على الحب ، وليس التحقير فحتى جحودهم له لم يكونوا راضين عنه كل الرضى كقولهم (ارويقد) و (اسويكت) تصغير (ساكت) و(اربيبي) تصغير (ربي) والله أكبر لا يصغر ولكن التصغير هنا للدلالة على الحب .

  هذا لا ينفي وجود أسماء تحمل معنى متفائلاً وتطلق على النساء أو الأسماء المعتدلة على الأقل ، ولكن هذه أيضاً تلعب فيها وراثة الاسم الدور الكبير ، فقد ترث البنت اسم جدتها أو إحدى قريباتها التي لم يكن لوالدها عدد كبير من البنات فيأتي اسمها معقولاً أو أن تكون تسميتها جاءت من أحد المشهورين بالتقوى والورع الديني أو ما نسميهم (بالفقهاء) فتكون الأسماء : مريم .. عائشة .. زينب .. خديجة .. فاطمة .. حليمة .. وغيرها من أسماء التابعات ولكن على الرغم من ذلك وفي الغالب الأعم نجد اسم الأنثى لايصل إلى مرتبة التكريم التي يحتلها الذكر في المجتمع الليبي القديم ، فإن حاولوا  الأنصاف قليلاً أو الرضى بالأنثى فإنهم يتفاءلون لها بالسعادة والهناء فيسمونها أما : هنية أو مسعودة .. أو سعيدة وغير ذلك من السماء التي تحمل المعنى نفسه والتي تدل على إيمان الليبي بالفال أو الحظ حسنه وقبيحه .

  إن المرأة في المجتمع الليبي القديم خاصة تعتبر مشكلة فالأب لا يرتاح وكذلك الأم حتى يتم لابنتهما الزواج ، بل وأن طال بقاؤها في البيت يعتبرونها عالة على الأسرة الأمر الذي يدفع الأم إلى زيارة أضرحة الأولياء أو استعمال السحر الذي يعتقد الليبيون فيه بشكل غريب .

back