ملامح البطل في القصة
الليبية القصيرة
كتاب (ملامح البطل في القصة الليبية القصيرة ) للأديب الليبي سالم
العبار قدم مسحا تحليليا اجتماعيا عن الطبيعة المميزة لأبطال أكثر
من 37 قاصاً ، أحيانا تعددت القصص للقاص الواحد .
ولم يتوقف المؤلف عند جيل معين أو فئة معينة ، بل شملت أغلب
الأجيال القصصية في ليبيا ، ولذلك لجأ المؤلف إلى الغوص رأسيا في
عمق الزمن .
حاول المؤلف أن يقدم إطارا منهجيا لدراسته من خلال وضع المراجع
التي أعتمد عليها في مقدمة الدراسة وقد شملت تلك المراجع دراسات في
تفسير التاريخ الاجتماعي ، القصة الليبية ، الصورة الرمزية ،
قراءات أخرى تم التوغل في ورائيات النصوص القصصية المدروسة .
استخرج المؤلف من النصوص المختارة السمات المشتركة لأبطال قصصها
وهي : النظام الأسري ، العادات والتقاليد وما يشذ عنها ، ووعيهم
السياسي والاقتصادي والديني والقومي ، وقوة انتمائهم الوطني
والعروبي .
بالإضافة إلى تحديد الإطار المنهجي ، فإن الحيادية العلمية التي
توافرت في الدراسة من خلال تجنب قصص المؤلف وذلك منعا لأي أبعاد
ذاتية تميزية وقد لجأ لنفس الأسلوب مع المعارف والأصدقاء ، أيضا
هناك الدقة والربط بين الأفكار المطروحة والاستشهاد بالنصوص
القصصية .
يقدم المؤلف خلاصة شجاعة عن أبطال القصص تلك وأنهم :
مقهورون سياسيا ، وفقراء ، ومقيدون بإرث اجتماعي ثقيل ، غيبيون في
حاضرهم ومسقبلهم ، بينما تمنى هو الإيجابية لهؤلاء الأبطال وأن
يمتلكوا كل الأدوات والمقدرات لمواجهة واقعهم .
كتاب نقدي تحليلي تعليمي يحتاجه القاص والمطلع على أحوال القصة
الليبية القصيرة ، وخاصة الأجيال الشابة الذين يطمحون لتجاوز
الأجيال والكتابات السابقة لهم ، ومن ثم تقديم الإضافات الإبداعية
لها .
صدرت الدراسة في كتاب عن الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع
والاعلان سنة 1988 م ، وعدد الصفحات 192 صفحة .
*عند
استعراضنا للشخصيات القصصية منذ ظهور القصة في ليبيا حتى الآن ،
نتعرف إلى ملامح مشتركة تسم أبطال القصة الليبية بسمات مشتركة ،
فالنظام الأسري مثلاً نجده يشكل نقطة مهمة في حياتهم تتمحور حولها
جل قصص الخمسينيات ، فحياة البطل تبدأ دورتها مصحوبة بمفاهيم
اجتماعية تشكلها العادات والتقاليد التي هي التحديد المسطري لطبيعة
التصرفات وشذوذها ، فالقاعدة هو ما يطابق العادات والتقاليد
والشذوذ هو ما يخالفها .
فالقضايا
الاجتماعية هي لب الصراع الذي يخوضه البطل في القصة الليبية ، وليس
من أجل قضايا خاصة ولا من أجل ظواهر ، كالظواهر السياسية
والاقتصادية والدينية التي تتخذها بعض الأيديولوجيات كمحرك للتاريخ
في حين أنها ليست كذلك (1) فوجود الفرد في جماعة ينشأ عنه الاجتماع
الذي يفرز العلاقات الاقتصادية والسياسية والدينية ، وحتى المذهب
الفردي في تفسير التاريخ على الرغم من أنه يعطي أهمية أساسية لدور
البطل إلا أنه يضطر إلى الاعتراف بأن الفرد البطل لا يستطيع وحده
أن يصنع تاريخاً ولا يستطيع ذلك إلا بقيادته لجماعة وبقبول الجماعة
لهذه القيادة" .
وللمجتمع بطبيعة
الحال قيم تؤطرها مفاهيم اجتماعية يأتي على رأسها الشرف والكرامة ،
وهاتان الفضيلتان تشكلان نقطة تمحور بالغة الأهمية في تفكير بطل
القصة الليبية التي ينشدها لا كقيمة مطلقة ، وإنما خشية العقاب
الاجتماعي المعنوي فيقع الاختلاف وتختل الوظائف لدى أفراد الأسرة ،
إذ أن التكوين الأسري الذي يعيشه البطل يتكون من الأب والأم
والأولاد ولكل منهم وظيفة يؤديها داخل الأسرة ، وتحت رئاسة رب
الأسرة الذي يحدد الوظائف وفق المنظور الاجتماعي للأشياء (فوجود
المرأة مثلاً مرفوض بالنسبة للمواطن الليبي إلا في حالتين أن تكون
أبنته أو أخته ، مقبول في حالتين أيضاً أن تكون أمه أو حبيبته وفي
بعض الأحيان زوجته وتلك الهوة هي التي تكشف الفارق الرهيب بين
النظرية والتطبيق في تفكير صغار السن الذين يتكون منهم صلب المجتمع
الجديد ، كما تكشف عن تخلف فظيع لدى كبار السن من حيث النظر إلى
الأنثى على أنها جهاز تناسلي فقط هو مركز عفتها ومن دونه لا تساوي
حبة خردل )* .
وأمام هذا
المفهوم تبقى المفاهيم الأخرى كالاقتصاد والدين ضئيلة لم يقف
أمامها بطل القصة العربية الليبية طويلاً ، أو على الأقل تبدو
ضئيلة أمام التقويم الاجتماعي فرب الأسرة يحتكر الاقتصاد في إطار
أسرته ويحرض على الرضوخ للمفهوم الاجتماعي السائد ولو كان ذلك على
حساب الدين ، وكل في وظيفته يسير على هذا الأساس ، ومن هنا يبدأ
الاختلال في التنظيم الأسري ، فللوالد مثلاً وظيفة وللأم كذلك ،
كما لكل فرد آخر من الأسرة وظيفة يؤديها وفق نظام متدرج يختلف
قرباً وابتعاداً من رب الأسرة الذي تليه الزوجة فالابن الأكبر
فالأصغر وهكذا ، ولكل من هؤلاء وظيفة في الحياة ، فالوالد ملزم
بتوفير سبل العيش وعلى عاتقه في البداية على الأقل تقع مهمة العمل
فوفاته تعني أن مكانه يظل شاغراً ولابد من وجود من يسد مسده ، وإلا
تعرضت الأسرة لجنوح اجتماعي يهدد شرفها ، ولذلك نجد القصاصين
الليبيين لا تخلو قصصهم من الوقوف عند هذه القضية ففي قصة (زوجة
الأب ) لوهبي البوري نجد الطفلين يقرران الهرب كحل للتخلص من سطوة
وظلم زوجة والدهم .
على أن المفاهيم
الاجتماعية تضع البطل في دائرة الإدانة على أفعال خارجة عن إرادته
، وتحمل في الغالب تفسيرات ميتافيزيقية لأسباب عادية وهذا ما
يعانيه بطل قصة (العذاب ) للدكتور أحمد إبراهيم الفقيه : (لعل
عذابه ابتدأ منذ أن لقم أثداء النساء ليشرب حليبهن لقد ماتت أمه
وهي تلده ) ، وقد حمله المجتمع الخطيئة واصفاً إياه بالشؤم ونجد
بطل القصة بحكم انتمائه الاجتماعي وإيمانه بما يؤمن به مجتمعه ،
يتعرض هو الآخر لتأنيب الضمير فهو الآخر يؤمن بتلك التفسيرات وهذا
مكمن عذابه أولاً وقبل كل شيء ، ولذلك يشعر بأنه لم يحقق انسجاماً
اجتماعياً مع ذاته قبل أن يحققها مع الآخرين ، وبطل هذه القصة
يتمحور تفكيره في هذه النقطة بالذات دونما التعرض لأهمية وجود الأم
كعامل مهم في البناء الأسري ومن ثم الاجتماعي برمته على خلاف ما
نجده لدى (السنوسي الهوني ) في قصته (ورقة من فتاة ) التي يتعرض
فيها لأهمية الوالد في البناء الأسري على الرغم من تعسفه في
استعمال حقه في التأديب وعلى الرغم من أنه لم يكن شخصية سوية (كانت
رائحة الخمر تتسلل إلى أنفي بقسوة بمجرد استقرار البصاق على صفحة
وجهي وربما لهذا لسبب وحده كنت أكره رؤيته لكنني لم أعرف على وجه
التحديد كيف انفجرت في بكاء مر عندما دلفت في ذلك اليوم إلى
الحجرة لأوقظه ، فعرفت أنه فارق الحياة ) .. (رحلت أمي خلف الضباب
وفقدت حنانها الكبير الذي كان ينسيني شيئاً من همومي حيث ازداد
الحب في قلبك وخلق معك الخوف من أن تفقدني كما فقدتها ، فأفقدني كل
شيء ، شخصيتي ، إرادتي ، تفكيري ، حتى حرية الاختيار ، فضاعت من
طريقي لذة الحياة وبدأت ثقتي بنفسي تتخلى عني رويداً رويداً ،
وكادت تتلاشى ) ففي هذه القصة نجد الوالد يحل محل الأم ليستغرق
وظيفتها الأسرية ، لكن وعي الفتاة بضرورة أن يكون لها كيانها الذي
يقف عند حده كل مفهوم اجتماعي ، جعلها ترفض هذا الطمس وبما أن
التقويم الاجتماعي المسطري للأشياء من الصعب مواجهته فإن بطلة
القصة تقرر الهرب وبما أن هذا التعسف الوظيفي لرب الأسرة يشكل
منحنى يكون ليس في صالح الأسرة وهذا ما حدا ببطل (خليفة التكبالي )
إلى التمرد على سلطة الأخ التي رأي فيها طمساً لشخصيته كإنسان (ما
أن خرج إلى الهواء النقي ، إلى الشمس والفضاء الواسع وما أن رأى
زملاءه ينتظرونه حتى تكونت من شعوره بالظلم ، من إحساسه بالذل
والحرمان ثورة تمشت في أوصاله ، ثورة تطالبه بالعصيان والتمرد
وتعلن إليه بأنه على حق حتى شعر برغبة في الاستجابة إلى نداء
عواطفه وظل أخيه البعيد يتقلص ، فاستطاع أن يتحرر منه ، والتفت إلى
رفاقه يقول لهم : (هيا بالك نمشوا ) وانطلق في مقدمتهم شاعراً
بفرحة مضاعفة فرحة البحر ، وفرحة التمرد والعصيان ).
والقاص خليفة
التكبالي يرجع كل القضايا الاجتماعية التي يعالجها إلى اللبنة
الأولى لبناء الأسرة (كانت أمي تحادث أخي الأكبر الذي تحصل على هذا
اللقب الفخم لكونه جاء إلى الدنيا قبلي بسنتين أو ثلاث ) .
ونجد القاص أيضاً
يضيق بالتدرج الوظيفي (وكأنما لمهمة أن يستعد لاستقبالي وممارسة
وصايته علي خصوصاً وقد غاب أبي ) .
وفي قصة (الأفق
الآخر ) للقاص (إبراهيم الكوني ) نجد حلاً هروبياً يختلف من حيث
أنه هروب معاكس ، فوخز الضمير هو الذي دفع بالبطل لأن يحقق حلم
والدته في العودة (رحمها الله .. أتعلمين يا خالتي رأيت حلماً هناك
في المدينة حلمت أني عدت إلى القرية إلى أمي فاستغفرتها وقبلت
يديها قلت لها : أن سراباً خدعني عل قلبها يرق وتغفر لي ، لكنها
ظلت جالسة تداعب حبات مسبحتها وما اهتمت بكلامي ثم اكتشفت أنها
(خرساء ، عمياء ، في اليوم التالي ذهب إلى السوق واشترى جملاً
وسرجاً ومؤناً ثم قرأ الفاتحة على قبرها وامتطى ظهر الجمل لينطلق
من دون أن يمر ببيت خالته ) على أن الدور الوظيفي للأم يبرز أكثر
ضرورة وأهمية لدى الفتاة ففي قصة (الباحثة عن الحنان ) لمرضية
النعاس ) نقرأ : تسللت يداها في رفق لتخرج صندوقاً صغيراً من داخل
قطيفة داخل وسادة ثم ضمته إلى صدرها بحنان قبل أن تفتحه وتخرج صورة
امرأة في العقد الثالث عم عمرها تأملتها في عبادة ضافية شفافة ثم
أخذت تناجيها دامعة القلب ، لماذا تتركني إنني في حاجة ماسة إليك
بل إنني في حاجة إليك اليوم أكثر .. إن مصيري سيتقرر الآن ولكنه
مصير غامض تعبث به أيد غريبة همجية عشوائية ) .
إن الدور
الوظيفي للأم إزاء الأمور التي تخص الابنة هو دور رئيسي خاصة في
حالة الزواج وإن تخلف أحد أعضاء الأسرة عن أداء دوره لأي سبب من
الأسباب يؤثر في العضو الآخر بالسلب فكما مع الفتاة فمع الابن
أيضاً فالدور الذي تلعبه الأم لتزويج ابنتها لا يقل بأي شكل من
الأشكال عن الدور الذي تضطلع به في تزويج ابنها ، ففي قصة (أحضر
حالاً ) للقصاص (علي مصطفى المصراتي) يتعسف الوالد تعسفاً مبالغاً
، يفقد البطل حرية اختياره ويهمش دوره ، فقد بعث للابن يأمره
بالحضور من دون إبداء الأسباب إلا عند وصوله حيث يفاجأ بقرار
تزويجه يقول القاص (ماذا هناك هل مرضت أخته ؟ أم ماتت وهي القلب
الحنون ، تعطف عليه كثيراً أم ماتت أمه الحنون إثر سقطتها في مرض
حار فيه طبيب البادية الذي (كواها عدة كيات وحجمها ) حتى كاد يفرغ
منها الدم .. وهذه القصة تتفق مع قصة (غلطة أب ) لحسين نصيب
المالكي (امتقع وجهي وأحسست بغصة قاسية .. يا لـه من أمر مذهل
وفظيع زواج في الغياب ، ماذا أفعل وقد جئت بقدمي ، أهكذا تفعلها يا
أبي ، سامحك الله ، أهذا وقته ؟ التفت حولي فإذا بي أجد الصبي قد
هرع مسرعاً يزف الخبر للجميع لقد وصل العريس ) .. وكما تتفق
القصتان في المضمون تتفقان أيضاً في النتيجة وهي الهزيمة لكل من
يحاول أن يتصدى للطوطم الاجتماعي ، وبطل قصة (غزالة) لمرضية النعاس
( ما كان لـه أن يتعلم لولا وجود والده ، وباختفائه انقطع عن
التعليم ، تقول القاصة (يفرد بقايا الجريدة أمام عيني صديقه ثم
يشير إلى الخبر بأصابع خشنة ، اصفرت رؤوسها من بقايا أعقاب السجائر
التي كان يجمعها كما يجمع بقايا الصحف القديمة ، ليحاول قراءتها
بخبرة ثلاث سنوات دراسة استطاع أن يقتطفها من سنوات عز مضت أيام
كان والده حياً يرزق ) .
والطفل في قصة
(القرش والشقاقة ) لعلي مصطفى المصراتي (استلم وظيفة والده وهي
توفير العيش واحتلت الأخت مرتبة الأم ) ( ويعود الصبي لأخته خالي
الوفاض تعباً من الوقوف طوال النهار ، متأملاً في الذقون والأقفية
، وسماع طقطقة المقص والنكات البذيئة) وهذا يعني دخول الصبي دائرة
المعاناة من أجل التحصل على لقمة العيش وذلك يترتب عليه الاصطدام
بالعلاقات الاجتماعية الظالمة ويعني ذلك أيضاً التحول إلى منعطف
خطير تخوضه الأسرة وعلى ضوئه يتحدد مستقبل البطل ، الذي كثيراً ما
نجده ينجح في اجتياز هذا الامتحان الصعب وقليل جداً ذلك الذي يجنح
إلى الجريمة ، كما في قصة (القرش والشقاقة) للقاص علي مصطفى
المصراتي وفي قصة (الكرة) لكامل حسن المقهور ( التي تشير إلى أن
عدم توافر فرص العمل الشريف للمراة يجعل منها باعة هوى رخيص) ، (
كان يحبها جداً على الرغم من أنها لا تسكن معه ولا مع جدته حيث
يعيش ولم يكن يتصور أبداً أن هذه الإنسانة الرحيمة الجميلة يمكن أن
تكون ما يدعونه في الحي ، أنه يكرههم لذلك ويكره حتى شارعهم حتى
أطفالهم ولكنه لا يعلم على وجه الدقة لم يعيش معهم ولا يعيش مع أمه
)
بينما على الخلاف
من ذلك ينجح بطل (حنين) للقاص (محمد بالقاسم الهوني ) في تدبير
جميع الوسائل لاجتياز هذه الأزمة ( توفى والده ولم يزل صغيراً ،
ترك لـه أسرة كبيرة عليه الآن أن يتحمل عبئها وحده ، فاضطر
للانقطاع عن الدراسة عندما عجز عن الجمع بينها وبين العمل فالخبز
على أية حال أهم في ظروفه الراهنة على الأقل ، بكى يومها كثيراً
شعر بأن الأقدار قد جنت عليه في قسوة وضراوة يعجز عن تحملها
الرجال ، وتساءل في حيرة وقد بدأ مستقبله في عالم الغيب ، ما ذنبي
في تحمل المسؤولية أسرة كاملة لا دخل لي إطلاقاً في تحمل وجودها
غير أنه قرر وفي عزيمة قوية أن يترك أمره للأيام وأحس بأن تنظيم
النسل ضرورة ملحة تقتضيها الحاجة ) .
ولكننا نجد
البطل هنا يضع حلاً مستقبليًا وليس آنياً فمسألة تحديد النسل بعد
وفاة والده لم يعد أمراً ممكناً إلا إذا أراد البطل أن يطبق ذلك
على نفسه حين يتزوج ويعني تحديد النسل هنا الدعوة إلى إعادة تنظيم
الأسرة لتلافي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وهكذا فإن النجاح في
تسلم الوظيفة الاجتماعية في الأسرة ينجح في صالحهم ففشل الرجل لا
يعني دائماً توقفه عن مواصلة الدور المنوط به فحتى إن رجع خائباً
لا يرجع بفضيحة اجتماعية في مجتمع يعتبر القضايا الماسة بالشرف
خطيئة كبرى تلحق الأجيال المتعاقبة للأسرة والقبيلة ، فالحلول
الوظيفي للزوج محل الزوجة ليس لـه من أخطاءا إلا على الفرد ذاته
فيما يتعلق بالدور الجزئي وهو الدور الذي تلعبه الأم في تزويج
الابن أو الابنة أو تعسف زوجة الأب وهذا كلـه لا يرقى إلى درجة
النبذ الاجتماعي الذي تعرضت لـه بطلة قصة (الكرة) لكامل المقهور
فقد رأينا في قصة السنوسي الهوني التي سبق التعرض لها كيف أن
الفتاة فقدت حريتها بعد وفاة والدتها ، ليس من جراء ظلم والدها
ولكن للمفهوم التربوي الخاطئ فلو أنه تسلم وظيفته الأسرية على
أساس علمي صحيح ما حدث شيء من الجنوح ، كما في قصة (مكتوب) للقاص
(حسين نصيب المالكي) (وشردت بذهنها إلى سنوات الطفولة حتى ذلك
اليوم المشؤوم الذي فقدت فيه حنان الأم وعطفها تذكرت كيف عوضها
والدها عن ذلك الحنان بعطفه عليها ووفر لها كل ما تحتاجه على الرغم
من أنها فقدت الأم إلا أنه لم يجعلها تشعر أبداً بالحرمان ‘ فكان
هو الأم والأب والصديق والأخ كان كل شيء في حياتها ) .
غير أن بطلة
(المالكي) كان الوضع الاجتماعي في صالحها فهي من نماذج السبعينيات
التي تتوافر أمامها فرص العمل ، ولذلك لم تلاق الفشل بعد وفاة
والدها (بكت كثيراً بالقرب من جسد والدها المسجى الذي ابتلعته هالة
الموت الصفراء ، ولما يئست وتأكدت من أن بكاءها لن يبعث الحياة في
الوالد الذي ذهب ورحل إلى الأبد جففت الدموع وعادت أدراجها إلى
البيت ، هي لن تبقى عالة على عمتها ففي عينيها إصرار على مواصلة
الدرب ، ما دامت إرادتها قوية وعزيمتها صلبة) وهو ذات الإصرار الذي
نجده في نموذج آخر من نماذج السبعينيات الذي حوته قصة (الغرباء )
للقاص (محمد المسلاتي ) ( إن الله يغسلنا بالمطر
يفعل ذلك كل عام وعندما زحف الجفاف مات والدك يا صغيرتي وهو يصلي
صلاة الاستسقاء ) .
ولكن ذلك وحده
لا يكفي فالمرأة الليبية ترى في الزواج الحل لجميع قضاياها ، ومن
هنا ارتبط مصيرها بالرجل ، ويعني ذلك الدخول في تجربة اجتماعية
الوظيفي للأسرة من
الأب فالأم فالأخ ينتهي المطاف بالفتاة إلى الدخول في أسرة جديدة يتولى
الزوج فيها مهمة حماية الشرف والوصاية على المرأة ، يقول بطل قصة (غداً
نلتقي) (لمحمد بالقاسم الهوني ) كانت (وفاء) فتاة يتيمة رقيقة الشعور هادئة وفي
أمسيات الصيف كان يجمعنا اللقاء ، نرقب في جذل البحر الهادئ والرياح
الخفيفة تداعبه وتتلاعب على أديمه في خفة ) .
وهكذا نعود للقول إن للرجل مكانة اجتماعية لا تنالها المرأة نتيجة
الرؤية القاصرة التي ينظر إليها من خلالها ولذلك قلما يفشل الرجال إلا
إذا كانوا مهزومين أصلاً كبطل قصة (الرقص بساق واحدة) للقاص (محمد
سالم الحاجي ) الذي يقول (شعوري باليتم لم يكن يوم موتها ، بل يوم
انقطع صوتها في داخلي لأني لم أفكر قط في بدء الكلام معها أو لأني لم
أهتم بها آخر مرة عندما كلمتني مواصلاً احتساء الخمر ، مقتنعاً بأن
كلماتها من فوق الجدار لم تعد كافية لحل أزمتي .
وهو ذات التكوين النفساني لبطل (الصمت لا يتكلم) للقاص (فوزي البشتي)
(كان يتيماً وحيداً كما هو الآن ، وكان يحب الرعي رعي البهم ورعي البشر
، وكان يعشق الوحدة والنساء .. وعلى مر الزمن صار حكاية وصارت الحكاية
أسطورة وتحولت الأسطورة بعد ذلك إلى شيء يشبه النسيان .
وهذا النموذج وسابقه استثناء عن القاعدة التي نجد فيها التدرج الوظيفي
للأسرة هو الأساس كما واضح من النماذج القصصية السابقة ، وكما في قصة
(العرصة اللي طاحت) للقاص (عبدالسلام أبو رقيبة ) وقصة (عليوة) (ليوسف
الشريف) والصندوق الأخضر (لكامل المقهور) (كان ذلك منذ خمس سنوات وسالم
يعولنا جميعاً أنا ووالدتي وأخي الصغير) .